الرئيسية / الأخبار / الساحل الأفريقي… نهاية مرحلة الترحيب بفرنسا

الساحل الأفريقي… نهاية مرحلة الترحيب بفرنسا

المصدر : تقارير العربي
كم يبدو بعيداً ذلك “الزمن المبارك” الذي كان فيه آلاف الماليين يحتفون بفرنسا، وكان جنودها موضع الترحيب الحار عند مرورهم في القرى الواقعة على طريق الشمال. وكان رئيسها، فرانسوا هولاند، يُستقبل بابتهاج من قبل حشود ترفع الأعلام الفرنسية وكان يقول عن تلك الساعات التي قضاها في مالي، التي تصوّر أنه حررها من سيطرة الجهاديين، إنه “أجمل يوم” في حياته. في ذلك اليوم، 2 فبراير/شباط 2013، بينما انتهى الجيش الفرنسي من طرد الجماعات الإسلامية المسلحة المرتبطة بتنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” من مدن تمبكتو وغاو وكيدال، تأثر أعضاء من الوفد الرئاسي بمنظر قد يجده آخرون منفّراً إلى أبعد الحدود، منظررجل يحمل لافتة في ساحة الاستقلال في باماكو ترقى كلماتها إلى زمن آخر: “شكراً يا بابا هولاند، شكراً يا عمّ لودريان ويا عمّ فابيوس” (والأخيران وزيرا الدفاع والخارجية على التوالي).
خلال تلك الزيارة التي كانت الأولى بعد انطلاق عملية سرفال العسكرية قبل ثلاثة أسابيع من ذلك، أكد الرئيس أن انسحاب القوات الفرنسية “مبرمج” فعلياً وأنه لا يوجد “أي خطر في الغرق بالمستنقع”. ولكن بعد سبع سنوات تقريباً من ذلك، لم يعد هولاند وفابيوس في السلطة، بينما لا يزال لودريان في الحكومة، ولا يزال الجنود الفرنسيين في مالي، بل انتشروا في بلدان أخرى في المنطقة، إذ أقيمت لهم قواعد مصممة على أساس الديمومة، وهم ينفذون عمليات بانتظام. والشيء الذي تغير أنهم لم يعودوا يحظون بالهتاف كما في السابق، بل كثيراً ما يُستهجن وجودهم، في حين يقوم متظاهرون بتمزيق أو حرق ذات الأعلام ثلاثية الألوان التي كانت تشهر بابتهاج في 2013.
#حرق الأعلام الفرنسية
تعددت التظاهرات المناهضة لفرنسا في الأشهر الأخيرة، في مالي أغلب الأحيان، لكن أيضاً في بوركينا فاسو والنيجر. وهي التظاهرات التي كان ينظمها سابقاً نشطاء يعارضون منذ زمن الوجود العسكري الفرنسي. كما كان الحال في أغسطس/آب 2017، عندما تجمّع مئات الماليين أمام سفارة فرنسا في باماكو. وهي تبدو الآن ناجمة عن حركات غضب عفوية إلى حد ما. هناك شكوك بخصوص تورط شبكات روسية في تنظيم هذه التظاهرات. (بالفعل رُفعت شعارات مؤيدة لروسيا خلال بعض هذه المسيرات. فروسيا، التي باشرت العودة بقوة إلى القارة الأفريقية، تقرّبت من مالي في الأشهر الأخيرة ويبدو أنها تريد لعب دور في الأزمة التي تجتاح البلاد. وقد تم التوقيع على اتفاقية دفاع بين البلدين في يونيو/حزيران 2019. وقامت موسكو أيضاً بتطوير تعاونها العسكري مع النيجر الذي اشترى أخيراً 10 مروحيات قتالية روسية. كما حاولت أخيراً التقرب من تشاد من خلال مشاريع اقتصادية مختلفة. أما في جمهورية أفريقيا الوسطى، المستعمرة الفرنسية القديمة، حيث دخلت روسيا بصفة لافتة منذ عامين، وحيث تمتلك فرنسا قاعدة عسكرية، موّلت شبكات روسية عدة حملات إعلامية مناهضة لفرنسا).
هكذا ترددت في 21 يونيو/حزيران 2019 شعارات مناوئة لفرنسا في باماكو خلال تظاهرة نظمت احتجاجاً على عودة المجازر إلى وسط البلاد. وهي منطقة لم تكن فرنسا تتدخل فيها سوى من حين لآخر، وأصبحت تقوم بذلك أكثر فيما بعد. خرج ما بين 3000 و5000 شخص إلى الشارع بعد صلاة الجمعة ليقولوا “كفى” للعنف الطائفي والمطالبة بنزع سلاح المليشيات وأيضاً للتنديد بـ”فرنسا المتواطئة”.
في 12 أكتوبر/تشرين الأول انفجر الغضب من جديد في سيفاري، مدينة وسط مالي، على بعد بضعة كيلومترات من موبتي. غضب ضد فرنسا وأيضاً ضد بعثة الأمم المتحدة في مالي (مينوسما). فقد قُتل قبل أيام قليلة من ذلك ما لا يقل عن 38 جندياً مالياً خلال هجوم تبنته “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” ضد مخيم عسكري في بوليكيسي، القريبة من الحدود مع بوركينا فاسو. طالب مئات الأشخاص الذين استهجنوا هذه المذبحة بالمزيد من الإمكانات للقوات العسكرية المالية وبرحيل القوات الأجنبية في الوقت نفسه. وقد تعرض المتظاهرون على الخصوص لـ”مينوسما” (بعثة الأمم المتحدة المتكاملة ومتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي) وهاجموا مخيماً لها ونهبوا أحد مخازنها. بالنسبة للمتظاهرين، على القوات الأجنبية المتواجدة في مالي أن ترحل فوراً، يقول أحد أعضاء رابطة جمعيات “فاسو ـ كورو” التي نظمت التظاهرة: “ما فائدتها؟ إنها هنا، لديها معسكرات، ولكنها غير قادرة على حمايتنا. وجنودنا هم الذين يسقطون في الجبهة”.
#باريس “تقود بلادنا إلى الكارثة”
في منشور وزع ذلك اليوم، اتهمت الرابطة فرنسا و”مينوسما” بأنهما “دفعتا ببلادنا نحو الكارثة” وأنهما تريدان “فرض صراع طائفي لم تعرفه مالي قط”. وذهب المنشور إلى أبعد من ذلك، إذ أكد، خلافاً للواقع، أن “فرنسا ومينوسما تتنكران في زي الجهاديين، من “الفلانيين” و”الدوجون” لارتكاب هجمات فظيعة”. ويختم المنشور بـ”كفاية، يعني كفاية، لقد فهمنا كل شيء”.
أصبحت هذا الأقاويل التآمرية تتكرر أكثر فأكثر في مالي خلال التظاهرات في الكرين (مكان لقاء مؤسس للحياة الاجتماعية في مالي، يلتقي فيه يومياً الأصدقاء… رجال هم في الغالب من الجيل نفسه ويسكنون في الحي نفسه، ويتم الحديث بحرية عن أحداث وشؤون المدينة) أو على الشبكات الاجتماعية.
بعد أيام قليلة من الهجوم على معسكر بوليكيسي، انتشرت الأطروحات التي تتهم فرنسا في “فيسبوك” و”واتساب”. تشرح إحداها أن الجنود الفرنسيين قد أقاموا في هذا المعسكر أياماً قليلة من قبل وأنهم انتهزوا الفرصة لتسجيل إحداثيات “جي بي أس” الخاصة به، وأنهم قاموا بعد ذلك بقصفه فاتحين الطريق للجهاديين. ويخلص هذا المنشور الذي قرأه الآلاف من رواد الإنترنت: “فهمنا كل شيء، إخواننا وأخواتنا الأفريقيات، إنهم يشعلون النار ويذكونها ثم يأتون للعب دور رجال الإطفاء. فهمنا كل شيء”. لا يستوعب كثير من الماليين كيف يمكن أن يسقط معسكر للجيش أمام بعض الجهاديين. فبالنسبة لهم لا بد أن هؤلاء يتلقون دعماً خارجياً، وذلك على الرغم من أن تاريخ مالي القريب يزخر بهزائم مهينة للجيش المالي أمام متمردي الحركة الوطنية لتحرير الأزواد أو أمام الجماعات الجهادية.
#في بوركينا فاسو أيضاً
في 12 أكتوبر/تشرين الأول لم تكن الكلمات المستعملة بنفس فجاجة فاسو ـ كورو، لكن الرسالة كانت تقريباً نفسها في واغادوغو على بعد مئات الكيلومترات من سيفاري. ففي الليلة السابقة، قتل 16 شخصاً في هجوم على مسجد في قرية سالموسي، شمال بوركينا فاسو، المحتلة اليوم جزئياً من قِبل مقاتلي “أنصار الإسلام”، وهي مجموعة جهادية مقربة من “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”. تجمّع في اليوم التالي حوالي ألف شخص في العاصمة البوركينية بدعوة من عشر منظمات من المجتمع المدني بهدف إدانة “الإرهاب” وأيضاً ضد “وجود القواعد العسكرية الأجنبية في البلاد”. وقد هتف المتظاهرون على الخصوص: “لا نريد الجيش الفرنسي والقوات الأجنبية” و”فليخرج الجيش الفرنسي من بوركينا”.
وقال أحد المتحدثين باسم المتظاهرين، غابين كوربيوغو، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية: “على الرغم من هذا الوجود المكثف لأكبر جيوش العالم، فإن الجماعات الإرهابية ما تزال تضرب، بل تزداد قوة. يجب إذاً الحذر من مشعلي الحرائق الليلية الذين يتحولون فجأة عند الفجر إلى رجال إطفاء. هذه القوى الأجنبية تستعمل الإرهاب للسيطرة على الثروات الهائلة للمنطقة”.
لا تتدخل مينوسما في بوركينا، والوجود الفرنسي محدود نسبياً إذ يتراوح بين 200 و300 رجل من القوات الخاصة، المتمركزة في ضواحي واغادوغو. ولكن أمام الخطر المتنامي للجهاديين وبطلب من السلطات في بوركينا فاسو، ضاعف الجيش الفرنسي من العمليات في شمال البلاد خلال الأشهر الأخيرة. ويعتبر هذا الوجود العسكري مرفوضاً من قِبل جزء من السكان الذين تربوا على المثل العليا المناهضة للإمبريالية.
#تزايُد هجمات الجماعات الإرهابية :
كما بات البعض من كبار المسؤولين السياسيين يطرحون التساؤلات أيضاً في المجالس الخاصة وأحياناً العلنية. ففي حوار مع جريدة “مايل أند غارديان” الجنوب أفريقية، في يونيو/حزيران الماضي، تساءل وزير الدفاع البوركيني، مومينا شريف سي، عن نشاط فرنسا في الساحل: “للفرنسيين ما يقارب 4 آلاف رجل في المنطقة ولديهم كل الموارد العسكرية والتكنولوجية، لذا أتعجب لعدم تمكنهم من استئصال هذه العصابة من الإرهابيين”.
تزايدت المشاعر المعادية لفرنسا خلال الأشهر الأخيرة مع تنامي اعتداءات المجموعات الجهادية، التي دفعت فيها الجيوش الوطنية الثمن الأثقل، إذ فَقَد الجيش المالي عشرات الجنود خلال السنوات الأربع الأخيرة. ولكنه لم يتكبّد هزائم بالثقل الذي ناله خلال الأشهر الثمانية الأخيرة. فمنذ مارس/آذار 2019 قُتل أكثر من 150 عنصراً من القوات المسلحة المالية، معظمهم خلال هجمات كبيرة ضد مخيمات عسكرية في ديورا يوم 17 مارس/آذار (26 قتيلاً)، وغيري في 21 إبريل/نيسان (11 قتيلاً)، وبوليكيسي في 30 سبتمبر/أيلول (40 قتيلاً على الأقل) وإن ديليمان في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني (53 قتيلاً على الأقل). أما في بوركينا فاسو، فقد قُتل 204 عسكريين خلال هجمات نُسبت إلى الجماعات الجهادية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، 24 منهم في كوتوغو في 19 أغسطس/آب 2019.
ويندد العديد من المراقبين بحالة الإنكار السائدة بخصوص مسؤوليات الدول الساحلية وقادتها في الأزمة التي تمس المنطقة. يلاحظ دبلوماسي نيجيري: “لا ننسى أننا المسؤولون الرئيسيون عما يحدث لنا. فإذا التحق شبابنا بالجماعات المسلحة، وإذا لم تتمكن جيوشنا من المواجهة، وإذا قبل السكان بالتعايش مع الجهاديين، فالخطأ يعود إلينا في المقام الأول، وليس لحلفائنا”.
ليس للجيش والدبلوماسية الفرنسية يد في مواطن ضعف جيوش غرب أفريقيا، ولكنهما ليسا بمنأى عن كل لوم. فقد تورط جنود فرنسيون في انتهاكات، وإن كانت نادرة، شوهت صورة عملية بارخان. وبسبب دعمها المستميت للرئيس إبراهيم بوبكر كايتا، الذي يواجه انتقادات شديدة في مالي، ومعارضتها لأي تفاوض مع الجهاديين الماليين، مع أنه اقتراح ناجم عن ندوة الوفاق الوطني في 2017، اتهمت باريس بأنها تتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد.
ومن جهة أخرى لم يُهضَم أبداً في باماكو القرار الذي اتخذه الفرنسيون في 2013 خلال عملية استرجاع الشمال العسكري بعدم السماح للجيش المالي باسترجاع السيطرة على مدينة كيدال، معقل المتمردين، في حين أنه تمكن من دخول مدينتي تمبكتو وغاو إثر الجنود الفرنسيين. هذا القرار الفرنسي الذي أملته اعتبارات إنسانية من جهة (كانت باريس تخشى انتهاكات قوات الجيش المالي ضد الطوارق) واستراتيجية على الخصوص من جهة أخرى (الحركة الوطنية لتحرير الأزواد، التي كانت تسيطر على كيدال، حليفة لفرنسا في مطاردة الجهاديين)، ألّب الرأي العام بسرعة ضد عملية سرفال التي سمّيتت “برخان”. ويُقدَّم اليوم هذا القرار كحجة للتنديد بـ”اللعبة المزدوجة” لفرنسا في مالي.
الغوص في المستنقع الذي استبعده فرانسوا هولاند
ولكن يبقى انعدام القدرة على احتواء التهديد الجهادي الوقود الأساس الذي يغذي الغضب ضد فرنسا. فالوقوع في المستنقع الذي استبعده فرانسوا هولاند في 2013 ويعترف به الآن العسكريون الفرنسيون أنفسهم (بصفة غير علنية)، هو الذي يفسر إلى حد كبير تحوّل الرأي العام في الساحل. صحيح أن حصيلة القوات العسكرية المتواجدة في منطقة الساحل ضئيلة (يتواجد أكثر من 12 ألفاً من القبعات الزرق في مالي و4000 جندي فرنسي ضمن “قوة برخان” التي تنشط في 5 بلدان، موريتانيا ومالي وبوركينا والنيجر وتشاد. كما أن هناك بعض المئات من الجنود الأميركيين والألمان والإيطاليين المتمركزين في النيجر).
منذ أن تدخّلت فرنسا في شمال مالي في يناير/كانون الثاني 2013، تضاعف العنف من سنة لأخرى وارتفع معه عدد القتلى المدنيين والعسكريين وكذلك أعداد النازحين. فالجماعات “الإرهابية” التي كان الجيش الفرنسي يحاربها، والتي لم تكن تسيطر إلا على بعض المدن في شمال مالي عام 2013، وسعت نفوذها إلى وسط مالي وشمال بوركينا فاسو وشمال غرب النيجر. وأصبحت تهدد اليوم البلدان الساحلية في غرب أفريقيا مثل بينين أو ساحل العاج.
يلاحظ المختص في العلوم السياسية، مارك أنطوان بيروز دي مونكلو، في كتاب مخصص للجهاد الأفريقي (أفريقيا، الحدود الجديدة للجهاد؟ دار لاديكوفارت، باريس 2018) أن “مرور الزمن ينال من صورة الجميع. تتحول “القوات المحررة” إلى قوات محتلة، مغذية اتهامات بالاستعمار الجديد كلما طال وجودها”. وقد تنبأ منذ 2016، الباحث إيفان غيشاوا، وهو مختص آخر في المنطقة بهذا التطور: “في مالي، لم يعد يُنظر إلى الجيش الفرنسي كقوة محرِّرة كما كان الحال في 2013. وسيكون هذا الوجود غير مقبول قريباً من قبل السكان إن لم يكن مصحوباً بفوائد ملموسة”.
ولا تمس موجة السخط هذه سكان العواصم فقط، التي هي غير معنية فعلاً بعمليات الجيش الفرنسي ونادراً ما تتعرض لعمليات الجماعات الجهادية المسلحة التي تنشط أساساً في المناطق الريفية. فقد أصبح ظهور الجنود الفرنسيين ينظر إليه بشكل سلبي على نحو متزايد في القرى النائية، في المناطق التي تطارد فيها “برخان” “الإرهابيين”. فهذا الظهور يسبّب في أحسن الأحوال إحساساً بالخوف وفي أسوئها حالة من التبرم. يقول قائد قرية قورما، في وسط مالي: “نعرف أن الفرنسيين لا يأتون للإضرار بنا. ولكن هذا ما يقومون به في الواقع بشكل غير مباشر، لأنهم لا يمكثون بيننا إلا بضعة أيام أو بضع ساعات، وعندما يغادرون يأتي الجهاديون ويتعرضون لكل من تكلم معهم. لهم جواسيس في كل مكان، إنهم يعرفون كل شيء”.
ويعترف ضابط صف فرنسي بصفة غير علنية بأنه صار شائعاً “أن نجد قرويين صامتين تماماً أو منزوين في بيوتهم مرعوبين من فكرة أنه قد تتم رؤيتهم وهم يتحدثون إلى الجنود الفرنسيين”، ويُعتبرون بالتالي “متعاونين” معهم. ولدى عودتهم إلى فرنسا يشير بعض الجنود من جانبهم إلى “نظرات الكراهية” لدى أولئك الذين يفترض أنهم جاؤوا لحمايتهم
المصدر : تقارير العربي
كم يبدو بعيداً ذلك “الزمن المبارك” الذي كان فيه آلاف الماليين يحتفون بفرنسا، وكان جنودها موضع الترحيب الحار عند مرورهم في القرى الواقعة على طريق الشمال. وكان رئيسها، فرانسوا هولاند، يُستقبل بابتهاج من قبل حشود ترفع الأعلام الفرنسية وكان يقول عن تلك الساعات التي قضاها في مالي، التي تصوّر أنه حررها من سيطرة الجهاديين، إنه “أجمل يوم” في حياته. في ذلك اليوم، 2 فبراير/شباط 2013، بينما انتهى الجيش الفرنسي من طرد الجماعات الإسلامية المسلحة المرتبطة بتنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” من مدن تمبكتو وغاو وكيدال، تأثر أعضاء من الوفد الرئاسي بمنظر قد يجده آخرون منفّراً إلى أبعد الحدود، منظر رجل يحمل لافتة في ساحة الاستقلال في باماكو ترقى كلماتها إلى زمن آخر: “شكراً يا بابا هولاند، شكراً يا عمّ لودريان ويا عمّ فابيوس” (والأخيران وزيرا الدفاع والخارجية على التوالي).
خلال تلك الزيارة التي كانت الأولى بعد انطلاق عملية سرفال العسكرية قبل ثلاثة أسابيع من ذلك، أكد الرئيس أن انسحاب القوات الفرنسية “مبرمج” فعلياً وأنه لا يوجد “أي خطر في الغرق بالمستنقع”. ولكن بعد سبع سنوات تقريباً من ذلك، لم يعد هولاند وفابيوس في السلطة، بينما لا يزال لودريان في الحكومة، ولا يزال الجنود الفرنسيين في مالي، بل انتشروا في بلدان أخرى في المنطقة، إذ أقيمت لهم قواعد مصممة على أساس الديمومة، وهم ينفذون عمليات بانتظام. والشيء الذي تغير أنهم لم يعودوا يحظون بالهتاف كما في السابق، بل كثيراً ما يُستهجن وجودهم، في حين يقوم متظاهرون بتمزيق أو حرق ذات الأعلام ثلاثية الألوان التي كانت تشهر بابتهاج في 2013.
#حرق الأعلام الفرنسية
تعددت التظاهرات المناهضة لفرنسا في الأشهر الأخيرة، في مالي أغلب الأحيان، لكن أيضاً في بوركينا فاسو والنيجر. وهي التظاهرات التي كان ينظمها سابقاً نشطاء يعارضون منذ زمن الوجود العسكري الفرنسي. كما كان الحال في أغسطس/آب 2017، عندما تجمّع مئات الماليين أمام سفارة فرنسا في باماكو. وهي تبدو الآن ناجمة عن حركات غضب عفوية إلى حد ما. هناك شكوك بخصوص تورط شبكات روسية في تنظيم هذه التظاهرات. (بالفعل رُفعت شعارات مؤيدة لروسيا خلال بعض هذه المسيرات. فروسيا، التي باشرت العودة بقوة إلى القارة الأفريقية، تقرّبت من مالي في الأشهر الأخيرة ويبدو أنها تريد لعب دور في الأزمة التي تجتاح البلاد. وقد تم التوقيع على اتفاقية دفاع بين البلدين في يونيو/حزيران 2019. وقامت موسكو أيضاً بتطوير تعاونها العسكري مع النيجر الذي اشترى أخيراً 10 مروحيات قتالية روسية. كما حاولت أخيراً التقرب من تشاد من خلال مشاريع اقتصادية مختلفة. أما في جمهورية أفريقيا الوسطى، المستعمرة الفرنسية القديمة، حيث دخلت روسيا بصفة لافتة منذ عامين، وحيث تمتلك فرنسا قاعدة عسكرية، موّلت شبكات روسية عدة حملات إعلامية مناهضة لفرنسا).
هكذا ترددت في 21 يونيو/حزيران 2019 شعارات مناوئة لفرنسا في باماكو خلال تظاهرة نظمت احتجاجاً على عودة المجازر إلى وسط البلاد. وهي منطقة لم تكن فرنسا تتدخل فيها سوى من حين لآخر، وأصبحت تقوم بذلك أكثر فيما بعد. خرج ما بين 3000 و5000 شخص إلى الشارع بعد صلاة الجمعة ليقولوا “كفى” للعنف الطائفي والمطالبة بنزع سلاح المليشيات وأيضاً للتنديد بـ”فرنسا المتواطئة”.
في 12 أكتوبر/تشرين الأول انفجر الغضب من جديد في سيفاري، مدينة وسط مالي، على بعد بضعة كيلومترات من موبتي. غضب ضد فرنسا وأيضاً ضد بعثة الأمم المتحدة في مالي (مينوسما). فقد قُتل قبل أيام قليلة من ذلك ما لا يقل عن 38 جندياً مالياً خلال هجوم تبنته “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” ضد مخيم عسكري في بوليكيسي، القريبة من الحدود مع بوركينا فاسو. طالب مئات الأشخاص الذين استهجنوا هذه المذبحة بالمزيد من الإمكانات للقوات العسكرية المالية وبرحيل القوات الأجنبية في الوقت نفسه. وقد تعرض المتظاهرون على الخصوص لـ”مينوسما” (بعثة الأمم المتحدة المتكاملة ومتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي) وهاجموا مخيماً لها ونهبوا أحد مخازنها. بالنسبة للمتظاهرين، على القوات الأجنبية المتواجدة في مالي أن ترحل فوراً، يقول أحد أعضاء رابطة جمعيات “فاسو ـ كورو” التي نظمت التظاهرة: “ما فائدتها؟ إنها هنا، لديها معسكرات، ولكنها غير قادرة على حمايتنا. وجنودنا هم الذين يسقطون في الجبهة”.
#باريس “تقود بلادنا إلى الكارثة”
في منشور وزع ذلك اليوم، اتهمت الرابطة فرنسا و”مينوسما” بأنهما “دفعتا ببلادنا نحو الكارثة” وأنهما تريدان “فرض صراع طائفي لم تعرفه مالي قط”. وذهب المنشور إلى أبعد من ذلك، إذ أكد، خلافاً للواقع، أن “فرنسا ومينوسما تتنكران في زي الجهاديين، من “الفلانيين” و”الدوجون” لارتكاب هجمات فظيعة”. ويختم المنشور بـ”كفاية، يعني كفاية، لقد فهمنا كل شيء”.
أصبحت هذا الأقاويل التآمرية تتكرر أكثر فأكثر في مالي خلال التظاهرات في الكرين (مكان لقاء مؤسس للحياة الاجتماعية في مالي، يلتقي فيه يومياً الأصدقاء… رجال هم في الغالب من الجيل نفسه ويسكنون في الحي نفسه، ويتم الحديث بحرية عن أحداث وشؤون المدينة) أو على الشبكات الاجتماعية.
بعد أيام قليلة من الهجوم على معسكر بوليكيسي، انتشرت الأطروحات التي تتهم فرنسا في “فيسبوك” و”واتساب”. تشرح إحداها أن الجنود الفرنسيين قد أقاموا في هذا المعسكر أياماً قليلة من قبل وأنهم انتهزوا الفرصة لتسجيل إحداثيات “جي بي أس” الخاصة به، وأنهم قاموا بعد ذلك بقصفه فاتحين الطريق للجهاديين. ويخلص هذا المنشور الذي قرأه الآلاف من رواد الإنترنت: “فهمنا كل شيء، إخواننا وأخواتنا الأفريقيات، إنهم يشعلون النار ويذكونها ثم يأتون للعب دور رجال الإطفاء. فهمنا كل شيء”. لا يستوعب كثير من الماليين كيف يمكن أن يسقط معسكر للجيش أمام بعض الجهاديين. فبالنسبة لهم لا بد أن هؤلاء يتلقون دعماً خارجياً، وذلك على الرغم من أن تاريخ مالي القريب يزخر بهزائم مهينة للجيش المالي أمام متمردي الحركة الوطنية لتحرير الأزواد أو أمام الجماعات الجهادية.
#في بوركينا فاسو أيضاً
في 12 أكتوبر/تشرين الأول لم تكن الكلمات المستعملة بنفس فجاجة فاسو ـ كورو، لكن الرسالة كانت تقريباً نفسها في واغادوغو على بعد مئات الكيلومترات من سيفاري. ففي الليلة السابقة، قتل 16 شخصاً في هجوم على مسجد في قرية سالموسي، شمال بوركينا فاسو، المحتلة اليوم جزئياً من قِبل مقاتلي “أنصار الإسلام”، وهي مجموعة جهادية مقربة من “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”. تجمّع في اليوم التالي حوالي ألف شخص في العاصمة البوركينية بدعوة من عشر منظمات من المجتمع المدني بهدف إدانة “الإرهاب” وأيضاً ضد “وجود القواعد العسكرية الأجنبية في البلاد”. وقد هتف المتظاهرون على الخصوص: “لا نريد الجيش الفرنسي والقوات الأجنبية” و”فليخرج الجيش الفرنسي من بوركينا”.
وقال أحد المتحدثين باسم المتظاهرين، غابين كوربيوغو، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية: “على الرغم من هذا الوجود المكثف لأكبر جيوش العالم، فإن الجماعات الإرهابية ما تزال تضرب، بل تزداد قوة. يجب إذاً الحذر من مشعلي الحرائق الليلية الذين يتحولون فجأة عند الفجر إلى رجال إطفاء. هذه القوى الأجنبية تستعمل الإرهاب للسيطرة على الثروات الهائلة للمنطقة”.
لا تتدخل مينوسما في بوركينا، والوجود الفرنسي محدود نسبياً إذ يتراوح بين 200 و300 رجل من القوات الخاصة، المتمركزة في ضواحي واغادوغو. ولكن أمام الخطر المتنامي للجهاديين وبطلب من السلطات في بوركينا فاسو، ضاعف الجيش الفرنسي من العمليات في شمال البلاد خلال الأشهر الأخيرة. ويعتبر هذا الوجود العسكري مرفوضاً من قِبل جزء من السكان الذين تربوا على المثل العليا المناهضة للإمبريالية.
#تزايُد هجمات الجماعات الإرهابية :
كما بات البعض من كبار المسؤولين السياسيين يطرحون التساؤلات أيضاً في المجالس الخاصة وأحياناً العلنية. ففي حوار مع جريدة “مايل أند غارديان” الجنوب أفريقية، في يونيو/حزيران الماضي، تساءل وزير الدفاع البوركيني، مومينا شريف سي، عن نشاط فرنسا في الساحل: “للفرنسيين ما يقارب 4 آلاف رجل في المنطقة ولديهم كل الموارد العسكرية والتكنولوجية، لذا أتعجب لعدم تمكنهم من استئصال هذه العصابة من الإرهابيين”.
تزايدت المشاعر المعادية لفرنسا خلال الأشهر الأخيرة مع تنامي اعتداءات المجموعات الجهادية، التي دفعت فيها الجيوش الوطنية الثمن الأثقل، إذ فَقَد الجيش المالي عشرات الجنود خلال السنوات الأربع الأخيرة. ولكنه لم يتكبّد هزائم بالثقل الذي ناله خلال الأشهر الثمانية الأخيرة. فمنذ مارس/آذار 2019 قُتل أكثر من 150 عنصراً من القوات المسلحة المالية، معظمهم خلال هجمات كبيرة ضد مخيمات عسكرية في ديورا يوم 17 مارس/آذار (26 قتيلاً)، وغيري في 21 إبريل/نيسان (11 قتيلاً)، وبوليكيسي في 30 سبتمبر/أيلول (40 قتيلاً على الأقل) وإن ديليمان في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني (53 قتيلاً على الأقل). أما في بوركينا فاسو، فقد قُتل 204 عسكريين خلال هجمات نُسبت إلى الجماعات الجهادية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، 24 منهم في كوتوغو في 19 أغسطس/آب 2019.
ويندد العديد من المراقبين بحالة الإنكار السائدة بخصوص مسؤوليات الدول الساحلية وقادتها في الأزمة التي تمس المنطقة. يلاحظ دبلوماسي نيجيري: “لا ننسى أننا المسؤولون الرئيسيون عما يحدث لنا. فإذا التحق شبابنا بالجماعات المسلحة، وإذا لم تتمكن جيوشنا من المواجهة، وإذا قبل السكان بالتعايش مع الجهاديين، فالخطأ يعود إلينا في المقام الأول، وليس لحلفائنا”.
ليس للجيش والدبلوماسية الفرنسية يد في مواطن ضعف جيوش غرب أفريقيا، ولكنهما ليسا بمنأى عن كل لوم. فقد تورط جنود فرنسيون في انتهاكات، وإن كانت نادرة، شوهت صورة عملية بارخان. وبسبب دعمها المستميت للرئيس إبراهيم بوبكر كايتا، الذي يواجه انتقادات شديدة في مالي، ومعارضتها لأي تفاوض مع الجهاديين الماليين، مع أنه اقتراح ناجم عن ندوة الوفاق الوطني في 2017، اتهمت باريس بأنها تتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد.
ومن جهة أخرى لم يُهضَم أبداً في باماكو القرار الذي اتخذه الفرنسيون في 2013 خلال عملية استرجاع الشمال العسكري بعدم السماح للجيش المالي باسترجاع السيطرة على مدينة كيدال، معقل المتمردين، في حين أنه تمكن من دخول مدينتي تمبكتو وغاو إثر الجنود الفرنسيين. هذا القرار الفرنسي الذي أملته اعتبارات إنسانية من جهة (كانت باريس تخشى انتهاكات قوات الجيش المالي ضد الطوارق) واستراتيجية على الخصوص من جهة أخرى (الحركة الوطنية لتحرير الأزواد، التي كانت تسيطر على كيدال، حليفة لفرنسا في مطاردة الجهاديين)، ألّب الرأي العام بسرعة ضد عملية سرفال التي سمّيتت “برخان”. ويُقدَّم اليوم هذا القرار كحجة للتنديد بـ”اللعبة المزدوجة” لفرنسا في مالي.
الغوص في المستنقع الذي استبعده فرانسوا هولاند
ولكن يبقى انعدام القدرة على احتواء التهديد الجهادي الوقود الأساس الذي يغذي الغضب ضد فرنسا. فالوقوع في المستنقع الذي استبعده فرانسوا هولاند في 2013 ويعترف به الآن العسكريون الفرنسيون أنفسهم (بصفة غير علنية)، هو الذي يفسر إلى حد كبير تحوّل الرأي العام في الساحل. صحيح أن حصيلة القوات العسكرية المتواجدة في منطقة الساحل ضئيلة (يتواجد أكثر من 12 ألفاً من القبعات الزرق في مالي و4000 جندي فرنسي ضمن “قوة برخان” التي تنشط في 5 بلدان، موريتانيا ومالي وبوركينا والنيجر وتشاد. كما أن هناك بعض المئات من الجنود الأميركيين والألمان والإيطاليين المتمركزين في النيجر).
منذ أن تدخّلت فرنسا في شمال مالي في يناير/كانون الثاني 2013، تضاعف العنف من سنة لأخرى وارتفع معه عدد القتلى المدنيين والعسكريين وكذلك أعداد النازحين. فالجماعات “الإرهابية” التي كان الجيش الفرنسي يحاربها، والتي لم تكن تسيطر إلا على بعض المدن في شمال مالي عام 2013، وسعت نفوذها إلى وسط مالي وشمال بوركينا فاسو وشمال غرب النيجر. وأصبحت تهدد اليوم البلدان الساحلية في غرب أفريقيا مثل بينين أو ساحل العاج.
يلاحظ المختص في العلوم السياسية، مارك أنطوان بيروز دي مونكلو، في كتاب مخصص للجهاد الأفريقي (أفريقيا، الحدود الجديدة للجهاد؟ دار لاديكوفارت، باريس 2018) أن “مرور الزمن ينال من صورة الجميع. تتحول “القوات المحررة” إلى قوات محتلة، مغذية اتهامات بالاستعمار الجديد كلما طال وجودها”. وقد تنبأ منذ 2016، الباحث إيفان غيشاوا، وهو مختص آخر في المنطقة بهذا التطور: “في مالي، لم يعد يُنظر إلى الجيش الفرنسي كقوة محرِّرة كما كان الحال في 2013. وسيكون هذا الوجود غير مقبول قريباً من قبل السكان إن لم يكن مصحوباً بفوائد ملموسة”.
ولا تمس موجة السخط هذه سكان العواصم فقط، التي هي غير معنية فعلاً بعمليات الجيش الفرنسي ونادراً ما تتعرض لعمليات الجماعات الجهادية المسلحة التي تنشط أساساً في المناطق الريفية. فقد أصبح ظهور الجنود الفرنسيين ينظر إليه بشكل سلبي على نحو متزايد في القرى النائية، في المناطق التي تطارد فيها “برخان” “الإرهابيين”. فهذا الظهور يسبّب في أحسن الأحوال إحساساً بالخوف وفي أسوئها حالة من التبرم. يقول قائد قرية قورما، في وسط مالي: “نعرف أن الفرنسيين لا يأتون للإضرار بنا. ولكن هذا ما يقومون به في الواقع بشكل غير مباشر، لأنهم لا يمكثون بيننا إلا بضعة أيام أو بضع ساعات، وعندما يغادرون يأتي الجهاديون ويتعرضون لكل من تكلم معهم. لهم جواسيس في كل مكان، إنهم يعرفون كل شيء”.
ويعترف ضابط صف فرنسي بصفة غير علنية بأنه صار شائعاً “أن نجد قرويين صامتين تماماً أو منزوين في بيوتهم مرعوبين من فكرة أنه قد تتم رؤيتهم وهم يتحدثون إلى الجنود الفرنسيين”، ويُعتبرون بالتالي “متعاونين” معهم. ولدى عودتهم إلى فرنسا يشير بعض الجنود من جانبهم إلى “نظرات الكراهية” لدى أولئك الذين يفترض أنهم جاؤوا لحمايتهم

شاهد أيضاً

آمرج / تعرض طفلة لطعنة من سكين عمها

نجت فتاة غي الخامسة من عمرها من طعنة سكين عمها المصاب بالجنون وذلك في قرية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *