الرئيسية / الأخبار / استمرار الوصاية / عبد الفتاح ولد اعبيدن

استمرار الوصاية / عبد الفتاح ولد اعبيدن

عبر ولد عبد العزيز عن عزيمته مغادرة الحكم إبان انتهاء مأموريته، المرتقب نهايتها في سنة 2019، إلا أنه صرح بأنه سيدعم مرشحا رئاسيا بعينه، بحجة أن عدم فعل ذلك تفريط في الوطن.

ولا شك أن الأمر راجع إلى الحرص على التحكم في التناوب المرتقب، وارتهان الخيار السياسي الرئاسي على وجه خاص بيد العسكر، وعلى خلاف آخرين لا أتوقع أن يدعم عزيز مرشحا مدنيا البتة، وإنما من الوارد بشكل قوي وعلى ضوء التجربة المتعثرة عندما تخلى سيدِ ولد الشيخ عبد الله عن داعميه، أن يكون هذا المرشح هذه المرة عسكريا مقربا، وخصوصا محمد ولد غزواني، مهما بدا غير راغب في الواجهة أو غير صالح لها، إلا أن الأمر في حسابهم جلل وأساسي لدرجة أنهم قد يغامرون بتجاهل كل النواقص، من أجل أن لا تخرج دفة الحكم من قبضتهم الخاصة.
وإن لم يمنع هذا اضطرارهم لخيارات أخرى في مجال الترشيح الرئاسي، لسبب ضعف غزواني أو امتناعه، إلا أن ذلك في تصوري الخاص مستبعد، وقد يعتمد هذا المرشح العسكري المتوقع على رئيس وزراء مدني، لتفادي الكثير من الظهور والتسيس المباشر.
لكن ترى هل توجه ولد عبد العزيز للخروج من القصر الرمادي جدي بما يكفي، أقول نبرته في الأمر تبدو قوية ثابتة وبعد تفكير، وإن جاز التراجع بحجة ما في النهاية، وهو تحول مقلق ومثير لأزمات كثيرة معقدة.
وبإيجاز يبدو أن ولد عبد العزيز فكر مليا في موضوع المأمورية الثالثة، فوجده مضر به ومعرض نفسه وأهله ومكاسبه المادية إلى خيارات مجملها أو كلها على الأصح انتحارية بامتياز، فتراجع عن الرغبة في هذه المأمورية المجنونة، تحت ضغط التعقل والتفهم للمخاطر الجمة.
فالجناح الراديكالي في هذه المعارضة لن يسكت والشارع غير مأمون، والخارج موقفه غير محسوم، وربما يفرض عليه الوضع الإقليمي أن يكون بقوة ضد المأمورية الثالثة في موريتانيا، وإن كان هذا ليس وجه الاعتماد الأقوى في حساب المعارضين “الموقف الدولي”، لأنه جرب ضعفه وبراجماتيته، إلا أن الجو الإقليمي ووعي الشارع نسبيا في هذا الصدد، أمران قد يكفيان لخلق توتر كبير، قد ينتهي فعلا بما لا تحمد عقباه، على المصر على المأمورية الثالثة، وربما لا قدرة لأنصار هذه المأمورية العبثية على تمهيد الطريق، فاختار عزيز بذكاء الابتعاد عن النفق الخطير، الذي قد يضر به شخصيا ومحيطه المقرب أكثر من الجميع.
إذن الامتناع عن المأمورية الثالثة لم يتولد من فراغ، وإنما جاء بعد تدبر للمسرح المحلي والإقليمي بموضوعية كبيرة وتفهم حازم نادر في إفريقيا.
وأستبعد أن يتراجع ولد عبد العزيز عن خيار الامتناع عن المأمورية الثالثة، لأنه ربما اختاره عن وعي بالدرجة الأولى لمصالحه الشخصية.
فماذا كسب اغباغبو “رئيس ساحل العاج السابق” من التعنت سوى المحكمة الجنائية الدولية، وما زال يحيى جامى مهددا بنفس المصير يوما ما، بسبب بعض تصرفاته السيئة، ومهما ابتعد أي رئيس إفريقي عن الحكم فيجوز محاكمته وإدانته لدى المحاكم الدولية، من جهة بسبب عنصرية الغرب في هذا الباب وانتقائيته ومعاييره المزدوجة، واعتباره لحكام العالم الثالث مجرد عملاء، فيتخلى عنهم عند انتهاء الغرض، ومن جهة ثانية لأن سجلات هؤلاء الحكام الأفارقة في الأغلب لا تخلو من جرائم بشعة وتلاعب واسع بالسلطة.
عزيز منذ 2005 أثرى شخصيا على وجه فاحش، وهذه مسألة قابلة للتدقيق والتثبت، للإثبات أو النفي، إلى جانب صناعته لرجال أعمال من شيعته العائلية الخاصة، ودبر انقلابين وانتخابات واضحة التزوير أحيانا، مثل ما حصل سنة 2009 على رأي البعض، أي الاقتراع الرئاسي قبل الأخير، واتبعت الدولة في ظل حكمه سياسة حرمان المناوئين، حتى لو كانوا أحيانا مجرد أقلام إعلامية، تسطر بجرأة وحرية ما ترى.
ملف “غانا غيت” الذي اعترف به ضمنيا وما زال يحرص على توظيف وتقريب من تملك بعض أهم أسراره، وعموما سوء تسيير الشأن العمومي والمال العمومي بوجه خاص في زمنه، كل هذا وغيره قد يكون كافيا لتقديمه للمحاكمة، تمهيدا لإدانته وعقابه.
فلو خرج سالما من الملاحقة القضائية، عبر بوابة عدم الترشح لمأمورية ثالثة، فهذا مكسب شخصي لصالحه، وربما يدل على ضعف الذاكرة الجمعية وقابلية التلاعب بنا على أبشع وجه، ثم يخرج الجاني باختصار، وبعد ذلك يتجرأ على التصريح، بأنه من أجل مصلحة الوطن سيدعم مرشحا بعينه، طبعا تكريسا لارتهان هذا الوطن المسكين بيد الانقلابين بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مما يفرغ التناوب المنتظر من المضمون الحقيقي المستقل.
والحقيقة التي تفرض نفسها أن الموريتانيين في هذا الباب، تفاديا ربما للفتن، متسامحين أو حذرين أكثر من اللازم.
فلا يستبعد أن يخرج عزيز من القصر دون محاكمة لاحقا، أو على الأقل في وقت مبكر، إلا أن سلامة المتساهلين في حق الشأن العام بل الجناة ضد هذا الشأن، ليست مضمونة للأبد، فلا أستبعد أن يسافر عزيز للخارج بعد ذهابه عن ساحة النفوذ والتحكم، مهما كان خليفته في الحكم.
فالأمر أدهى وأخطر، ربما الحزم في حسابه في هذا الوجه،  الاحتماء بحدود بعيدة، على غرار سائر المتلاعبين والمستغلين لفترة التحكم والتغلب والقهر المؤذي المتنوع الجلي.
بعد إثنى عشر سنة من الحكم، منذ انقلابه سنة 2005، يكون ولد عبد العزيز قد أمضى كل هذا الوقت في صيغة حكم عسكري مباشر وغير مباشر، كرس خلاله التضييق على الشعب كله تقريبا، سوى ثلة من ذويه، وليسوا كلهم، وجزء من المؤسسة العسكرية، أما البقية فقد ذاقت الأمرين، حرمانا وتضييقا في عقر دارهم وبلدهم، ولا شك أن إعلان قرب مغادرته للحكم بشرى للكثيرين، الذين أذيقوا مرارة تحكمه معنويا وماديا.
مقتر في العطاء المستحق، لا يحتمل ولا يحترم الرأي المخالف، ميال لجمع المال، غير لبق في اللفظ، لا يدرك ولا يعترف بضعف مستواه بالمقارنة مع ما أصر عليه من مسؤوليات قيادية كبيرة حرجة.
وهذا طبع الإنسان الغافل عموما في الحذر من الأمانة.
قال الله تعالى في محكم تنزيله: “إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا”.
إن تصريح ولد عبد العزيز بعزيمته قبل تسليم الحكم دعم مرشح رئاسي بعينه، إيذان صريح بتزوير الانتخابات الرئاسية للتحكم في البديل، حتى لا يكون للتناوب المحتمل أي طعم وأي معنى ديمقراطي جاد، ولتظل الديمقراطية الموريتانية عسكرية عبثية لا تسمن ولا تغني.
وهو ما سيفرض على الجانب المعارض الراديكالي، دور التزكية فحسب، ضروري لتجميل الصورة وتمريرها لصالح الخصم الانقلابي.
وهذا الجو المحتمل الراجح، المثير للغضب بحق، قد يفرض انقلابا أو ثورة مفاجئة، لأن هذا المسار لا يحتمل.
تحكم ما شئت، وبعد ذلك ترسم لأمة برمتها، بديلا يخدمك ويخدم هيمنة بعض الجيش على السلطة والوطن بكامله من دون وجه حق، لتصبح الديمقراطية والقوانين والدساتير مجرد شعارات فارغة في المحصلة.
إن هذا المستقبل المرتقب يستدعي امتناع المعارضة الجادة عن هذا المشهد الرئاسي العبثي، وفي المقابل رفض أي مرشح له صلة قريبة بالمؤسسة العسكرية، وهو المعتاد في الدول الديمقراطية وفرض أساليب تضمن الشفافية في العملية الانتخابية المنتظرة.
وإلا فاتركوه هو وصحبه يفعل ما يشاء إن قدر، على الأقل من دون تزكيتكم لأطماعه المفتوحة.
كما أن الترويج لعدم صلاحية حكم المدنيين في أوساط تروج للحكم العسكري، مجرد خطاب تسويقي للحكم الانقلابي. فالمدنيون حكموا فترة ولد داداه أكثر من 18 سنة، أيام كان الجيش في خدمة السلطة المدنية وبعيدا عن تولي الحكم.
إن الشعب الموريتاني يستحق الحرية في اختيار من يحكمه وتسيير حكمه العمومي بعيدا عن المؤسسة العسكرية والطابع القبلي المزمن أو الجهوي أو العرقي.
لقد حان الوقت باختصار، لكي نتجه لبناء دولة عادلة، عنوانها الإسلام أولا وأخيرا، لا تظلم ولا تقبل الظلم الداخلي أو الخارجي بأي شكل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *