ولد أجاي.. حين تصبح معرفة الدولة رصيدا سياسيا / أحمد محمد فال أحمد محمد

استقالت الحكومة، وبقي رئيسها. تغيّر بعض الوزراء، واستمر الرجل الذي كان ينسق عملهم. وبينما انشغل البعض بإحصاء المغادرين وتتبع صلات القادمين بمراكز القرار، برز سؤال أكثر أهمية: ماذا يعني أن تتجدد الثقة الرئاسية في رجل يعرف الدولة من داخلها؟

 

لم يكن استمرار المختار ولد أجاي، عقب استقالة حكومته يوم الجمعة التاسع من أكتوبر 2026، مجرد تفصيل إجرائي. فقد جدد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تكليفه في لحظة أعقبت صدور تقرير التحقيق في حريقي محطتي الكهرباء، وما أثاره من أسئلة حول المسؤولية والرقابة والتسيير.

 

وصل ولد أجاي إلى الوزارة الأولى عبر مسار إداري ومالي متدرج؛ فمن الإدارة العامة للضرائب إلى وزارة المالية والاقتصاد، ثم إدارة الشركة الوطنية للصناعة والمناجم «اسنيم»، فديوان رئاسة الجمهورية، راكم معرفة واسعة بمؤسسات الدولة ومواردها وآليات اتخاذ القرار فيها.

 

وهي معرفة تساعده على فهم المسافة بين القرار وتنفيذه؛ تلك المسافة التي قد تكون في الإدارة الموريتانية أطول من الطريق بين نواكشوط والنعمة، مع أن بعض الملفات لا تغادر المكتب الذي وُلدت فيه!

 

فقيمة المسؤول لا تكمن في معرفته بما ينبغي فعله فحسب، بل في إدراكه أسباب التعثر وقدرته على تحويل التوجيهات إلى نتائج. وهنا تتجلى خصوصية موقع ولد أجاي؛ فالثقة الرئاسية تمنحه التفويض السياسي، والخبرة الإدارية تمنحه أدوات التعامل مع تعقيدات التنفيذ.

لكن الإلمام بمفاصل الدولة يرفع سقف المسؤولية بقدر ما يمنح صاحبه من مزايا. وقد أعلن ولد أجاي، عقب استقالة حكومته، تحمله مسؤولية أوجه النقص والتقصير في أدائها، وهي مسؤولية سياسية يكتمل معناها بتصحيح الاختلالات، لا بمجرد الإقرار بها.

 

ولعل التحدي الأكبر أمامه ألا تتحول قدرته على معالجة المشكلات إلى سبب دائم في اعتماد المؤسسات عليه. فالدولة التي تحتاج إلى تدخل الوزير الأول لتحريك كل ملف قد تكون محظوظة بمسؤول يتابع التفاصيل، لكنها تظل بحاجة إلى إدارة تؤدي واجبها دون استنفار.

 

وهنا يتحدد الفارق بين مسؤول يعرف الدولة ورجل دولة يجعلها تعمل.

 

قد يُحسن التكنوقراطي إدارة الموارد، لكن رجل الدولة مطالب بالموازنة بين مقتضيات الكفاءة وحاجات المجتمع. فالمواطن لا يعنيه كثيرًا من ربح حقيبة وزارية أو خسرها، وإنما يعنيه أن يجد الخدمات متاحة، وفرص العمل متوفرة، والإدارة قادرة على أداء واجبها.

 

لقد منح تجديد الثقة ولد أجاي فرصة لمواصلة قيادة العمل الحكومي، مستفيدًا من رصيده الإداري المتراكم. والرهان الآن أن ينعكس هذا الرصيد على انضباط المؤسسات وسرعة تنفيذ القرارات وفاعلية الرقابة والمحاسبة.

 

فأبلغ أثر للنفوذ ليس أن تصبح جميع طرق الدولة مؤدية إليك، بل أن تجعل مؤسساتها قادرة على أداء مهامها دون المرور بمكتبك.