الحوار الوطني… فرصة لمراجعة دستورية بروح التوافق/ادمُ عبدي اجيد
منذ استقلال البلد تعاقب على قيادته عشرة رؤساء، كان “ثمانية” منهم عسكريين أو من ذوي الخلفية العسكرية. وهذه حقيقة تاريخية تعكس طبيعة المسار الذي سلكته الدولة الوطنية في مراحلها المختلفة، دون أن يكون القصد من استحضار هذا المسار، إصدار أحكام أو تقيّيم الأشخاص الذين حكموا البلاد ، وإنما لفهم السياقات التي تشكلت في ظلها مؤسساتنا الدستورية والسياسية.
لقد تطوّر دستورنا مع تطور الدولة والمجتمع، فشهد مراجعات متلاحقة استجابةً لتحولات سياسية واجتماعية متعددة منها ما هو دولي و منها ماهو وطني. ومن أبرز تلك المراجعات التعددية الحزبية ولاحقا تحديد عدد المأموريات الرئاسية، واعتماد نظام “التمثيل النسبي” في الانتخابات البرلمانية والبلدية، واستحداث لوائح وطنية خاصة بالنساء والشباب، إلى جانب تخصيص حصة لذوي الإعاقة، بهدف توسيع المشاركة السياسية وضمان تمثيل أكثر شمولًا لمختلف مكونات المجتمع.
جاء حوار سنة 2011 بين السلطة وبعض أحزاب المعارضة في سياق سياسي خاص بعد تغيير الحكم سنة 2008 و ما صاحبه من توترات و احتقان حيث كانت فيه الأولوية آنذاك لتوسيع قاعدة التمثيل السياسي وطمأنة المعارضة بشأن حضورها داخل المؤسسات المنتخبة. وفي الإطار نفسه من ضمن أخري ، أُقرت إلزامية عرض برنامج الحكومة أمام البرلمان لنيل ثقته بالتصويت من طرف النواب، في محاولة لترسيخ منطق الأغلبية البرلمانية وتعزيز الرقابة السياسية على العمل الحكومي.
لم يتسنى للمعارضة وقتها أن تشارك بكامل مكوناتها فاقتصرت المشاركة على أربعة أحزاب فقط وحصلت على بضع و ثلاثين نائبا من أصل 155 نائبا أي ما يقارب الثلث وهو ما حال دون وجود فرصة حقيقية لرسم واقع ديمقراطي جديد على غرار ديمقراطيات العالم المتحضر مثل فرصة une cohabitation بمعني أن المعارضة تشكل أغلبية برلمانية مما يخوّل لها رئاسة الحكومة .
أما اليوم، فقد تغيّرت معطيات كثيرة و شهد البلد أول انتقال سلمي للسلطة بين رئيسين منتخبين، وترسخ مناخ سياسي أكثر هدوءًا وانفتاحًا، كما تستعد البلاد لحوار وطني شامل يُنتظر أن يناقش مختلف القضايا الكبرى دون استثناء.
وفي ظل هذه المعطيات الجديدة، يصبح من المشروع إعادة تقييم بعض الخيارات الدستورية والتنظيمية التي فرضتها ظروف مرحلة معينة، وفي مقدمتها نظام التمثيل النسبي، ومدى استمرار ملاءمته للواقع السياسي والاجتماعي الراهن.
فموريتانيا دولة شابة بامتياز؛ إذ يشكل الشباب أكثر من ثلاثة أرباع السكان، فيما تمثل النساء أكثر من نصف المجتمع. وهذا الواقع الديمغرافي كفيل، مع تطور الممارسة الديمقراطية، بأن يضمن حضورًا طبيعيًا ووازنًا لهاتين الفئتين داخل المؤسسات المنتخبة، مع المحافظة على كل الضمانات التي تكفل تكافؤ الفرص وتعزز المشاركة السياسية الفعلية دون اللّجوء إلى تخصيص لوائح خاصة لهاتين الفئتين و لا يعني ذلك أنه تراجع عن تمييز إيجابي لهما بقدر ما يضمن حضورها بفعل الواقع
إن الدساتير لا تُكتب لمعالجة أوضاع مؤقتة، ولا تُفصل على مقاس أشخاص أو مراحل عابرة، وإنما تُصاغ لتؤسس لدولة مستقرة، وتستوعب تطور المجتمع، وتحافظ في الوقت نفسه على ثبات المبادئ العامة. ولذلك فإن قوة النص الدستوري تكمن في حياده وتجرده ومرونته، بحيث يظل قادرًا على مواكبة التحولات دون أن يفقد استقراره. و لعلّ ذلك هو ما التمسته الطبقة السياسية في المؤتمر الصحفي الأخير الذي خصّ به رئيس الجمهورية الصحافة الوطنية حيث عمل على طمأنة الجميع على عزمه احترام الدستور و رأي الشعب
ومن هنا، فإن الحوار الوطني المرتقب يمثل فرصة تاريخية لإطلاق مراجعة هادئة ومسؤولة لبعض المقتضيات الدستورية والقانونية، بروح التوافق. فكل إصلاح يحظى بإجماع وطني تكون فرص نجاحه أكبر، كما أن القانون يستمد هيبته من اقتناع المواطنين بعدالته قبل إلزامهم بأحكامه.
إن بناء الدولة عملية تراكمية، والدساتير الناجحة هي التي تراجع نفسها كلما تغيّرت الظروف، دون أن تمس الثوابت أو تفرّط في المكتسبات العامة المتعلقة بترسيخ الديمقراطية و الوحدة الوطنية، ولذلك فإن تطوير دستورنا ينبغي أن يكون تعبيرًا عن نضج تجربتنا الديمقراطية، واستجابة لمتطلبات المستقبل.
إدومُ عبدي اجيّد.