المقاربة الماكرونية للمعضلة الأفريقية /حمدي جاورا
في لقاءه سفراء فرنسا في العالم بداية الأسبوع ، جدد الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون رفضه لما سماه : بتنامي فيروس الانقلابات في افريقيا كما رفض استدعاء سفيره من النيجر رغم انتهاء مهلة الوقت المحدد له بالخروج وهو ما جعل السفير محاصرا في سفارته بمدينة نيامي ، شأنه في ذلك شأن الرئيس بازوم المحتجز لدى قادة الانقلاب في النيجر ، بل هذا الأخير يكون وضعه افضل من السفير لأن السفير فقد رخصته كسفير وهو محتجز حيث لا طعام ولا شراب الا ما يتوفر عندهم ويوشك أن ينتهي كل شيء لا محالة .
ورغم استحالة عودة بازوم لسدة الحكم في النيجر إلا أن منطق ماكرون هو أنه لا بد من إعادة قطار الديمقراطية إلى محطتها الاولى ولا بد أن يتحقق ذلك ، وزاد عليه تبريرا أن القادة الأفارقة لن يثقوا بفرنسا مرة أخرى وخاصة حين يرون أن فرنسا تتخلى عن حلفاءها بهذه السهولة مما قد يسبب ازمة وفاء بينها وبين اصدقائها ..
ثم المنطق الآخر لرفض الخروج من القارة وخاصة من ناحية وجودها العسكري هو أن الدول التي تطالب بخروجها إنما هي من طالبت فرنسا بالمجيء لإنقاذها ويتمثلون دائما بمالي حيث طلبت السلطات المالية بالفعل هذا التدخل الفرنسي الذين كان منحصرا في المجالين الجوي والاستخباري ..
ولا يضيفون -اقصد ساسةةفرنسا واعلامييها- حين يتناولون هذا التبرير أن فرنسا خانت مالي حين فرقت بين متمردين انفصاليين قدمت لهم مقرا في الشمال بينما حاربت فقط الإرهابيين رغم أن الطلب المالي كان محاربة الاثنين معا ..
وهو ما أدى إلى تنامي الشعور بالغبن السياسي أو الخيانة ليس في مالي فقط وانما في كل المنطقة ..
ثم إن فرنسا أن لديها حق في هذه الدول الأفريقية ولا يفهم نجوم في الفضاء الإعلامي الفرنسي هذا الرفض الافريقي للسياسة الفرنسية رغم وضوح اسباب هذا الرفض ..
أضف إلى ذلك كله .. اللهجة الاستعلائية التي يستخدمها ماكرون تجاه الأفارقة وخاصة تصرفاته تجاه الرؤساء وانتقاداته للعلاقات بين الدول الأفريقية ودول أخرى هنا وهناك ..
فهو يرى أن الأفارقة ليس لديهم نضجا دبلوماسيا كي يتقدموا لدول أخرى لبناء علاقات دبلوماسية جيدة ..
بالإضافة حديثه المعوج الذي حصل مع كابوري من بوركينا ووضعه يده على كواتف رؤساء أفارقة اكبر منه سنا دون أن يعلم أن هذه الصور هي نوع من الصبينة في المخيال الافريقي لا يليق …
ناهيك أن استقواءها -فرنسا – وفرض نفسها في العالم إنما يأتي بسبب عمقها الافريقي والدول التي تسيطر عليها بطريقة مباشرة وغير مباشرة .. وأحقيتها هي وحدها في الاستحواذ على مقدرات تلك البلدان بهذا المنطق ينطلق ماكرون في علاقته مع القادة ولذلك استدعى في قمة بو رؤساء مجموعة الساحل بطريقة فجة ركيكة بعيدة من الأخلاق والأعراف وقد جاء الرؤساء جميعا وهم يحكّون رؤوسهم ويطالبونه بالبقاء علنا ..
كل هذه الأمور سببت حرجا كبيرا بالنسبة لصورة الأفارقة واعتبروا تصرفه إهانة الكرامة ودوسا على العرض والأنفة ..
هذا المنطق الماكروني الاستعماري الناعم الجديد هو الذي يتبناه الرئيس الفرنسي وهو في هذا المسار يعتبر أنه على حق وان غيره هو الذي على باطل إن لم يكن هو الباطل نفسه ..
ثم إن ازدواجية المعايير في التعاطي مع الانقلابات في القارة سواء تلك التي حصلت في الربيع العربي وفي ما حصل في منطقة الساحل حيث حابى دولا على الأخرى واغمضت أعينها على انقلابات دستورية .. كساحل العاج وغينيا ثم الغابون مؤخرا حتى آلت الأمور لسقوط نظام عائلة بونغو وهي هي من تعاونت مع فرنسا خلال أكثر من ٥٠ عاما ..
كل هذه الأسباب وغيرها جعلت الأفارقة يلفظون المقاربة الماكرونية للمعضلة الأفريقية وما لم يغير ماكرون نظارته فسوف يواصل في المضي قدما نحو الهاوية.
ولقد استمعت منذ فترة لمحلل سياسي في مالي يقول بأن انتخاب ماكرون لفترة ثانية سيعجّل بتلطيخ صورة فرنسا ثم إسقاط هيبتها أفريقيا ودوليا ..
وهذا بالضبط ما نراه اليوم في ظل هذا الرفض لوجودهم عسكريا ودبلوماسيا في النيجر في ابشع صورة يمكن أن تمارسها دولة من ناحية فرض نفسها عليها على رغم أنفها ..
وما لم يتراجع ماكرون عن هذه السياسية التي يمكن وصفها بالبلطجة الدبلوماسية فإن فرنسا لن تخرج من هذا المأزق ولن ترى إلا التشويه والرفض وفساد السمعة وفقدان الهيبة .
أفريقيا الجديدة لم تعد تقبل الإهانة ولم تعد تتقبل لهجة الاستعلاء فإما أن تتعامل معهم باحترام وخاصة قيادتها واما ان تنتظر الشعوب أمامك حتى لو يلجؤوا لإسقاط نظامهم لفرض احترامها وكرامتها فسوف يفعلون ..
فالكرامة الأفريقية هي التي لم يعد هناك قبول بانتهاكها .. وقديما قالت العرب : تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها ..
حمدي جوارا
باريس فرنسا
٣/٩/٢٠٢٣م .
