الانتصار الأكبر / الشيخ ولد المامي

هناك انتصارات تُقاس بنتائجها المباشرة، وأخرى تتجاوز النتيجة إلى ما وراءها، فتتحول إلى شهادة على قدرة دولة، وعلى كفاءة رجال، وعلى نجاح رؤية في إدارة المصالح والعلاقات؛ وفوز موريتانيا بقيادة منظمة التعاون الإسلامي ينتمي إلى الصنف الثاني.

 

فالمنصب مهم، والمكانة التي يمنحها مهمة، غير أن ما يحيط بهذا الفوز هو الذي يمنحه معناه الحقيقي.

 

لقد ذهبت موريتانيا إلى واحدة من أكثر المؤسسات الدولية تعقيداً، وقدمت مرشحها، ثم عادت بإجماع الدول الأعضاء، والإجماع، في عالم السياسة، كلمة ثقيلة.

 

فكيف إذا كان الأمر يتعلق بمنظمة تضم سبعاً وخمسين دولة، تتوزع بين قارات متعددة، وتختلف أنظمتها السياسية، وتتباين مصالحها، وتتشابك تحالفاتها، وتتنازع في ما بينها ملفات تاريخية وجغرافية وعسكرية واقتصادية..؟

 

تشكل منظمة التعاون الإسلامي الفضاء السياسي الأوسع الذي يجمع العالم الإسلامي، وتحمل في داخلها ثقل الجغرافيا الإسلامية الممتدة من غرب إفريقيا إلى جنوب شرق آسيا، ومن آسيا الوسطى إلى العالم العربي، وتجتمع تحت مظلتها دول تمتلك ثروات هائلة، ودولاً نووية، وقوى اقتصادية صاعدة، وبلداناً ذات تاريخ سياسي وحضاري عريق، كما تحمل المنظمة بعداً روحياً ومعنوياً يتجاوز الحسابات التقليدية للمنظمات الدولية، بحكم ارتباطها بقضايا الأمة الإسلامية، وفي مقدمتها القدس، وبما تمثله من إطار جامع لمجتمعات تتجاوز أعدادها المليارات، ومن هنا يصبح الفوز بقيادتها حدثاً له أبعاده الخاصة.

 

لكن الأهم أن موريتانيا لم تصل إلى هذا الموقع عبر منافسة عادية، فقد وصلت إليه بالإجماع، وهنا تبدأ القصة الحقيقية.. ففي داخل هذه المنظمة تقف إيران ودول الخليج على مسافات سياسية متباعدة في ملفات عديدة.. وتقف الجزائر والمغرب في واحدة من أكثر العلاقات الإقليمية تعقيداً.. وتتوزع دول أخرى بين تحالفات متنافسة ومصالح متقاطعة وحسابات متغيرة، ومع ذلك، استطاعت موريتانيا أن تجمع الجميع حول اسم مرشحها.

في لحظة واحدة، التقت أصوات دول تختلف في ملفات كبرى على خيار واحد.

 

وفي وقت كانت فيه الخصومات الإقليمية مشتعلة، تمكنت الدبلوماسية الموريتانية من صناعة مساحة توافق واسعة، انتهت إلى الإجماع.

 

وهذه القدرة على جمع المتباعدين هي إحدى العلامات الكبرى للنجاح الدبلوماسي.

 

كيف استطاعت موريتانيا أن تكسب ود إيران ودول الخليج في الوقت نفسه..؟

 

كيف وصل اسم مرشحها إلى الجزائر والمغرب دون أن يتحول إلى موضوع جديد من موضوعات التجاذب..؟

 

كيف تقدمت دولة حديثة الإمكانات الاقتصادية على دول خليجية تمتلك قدرات مالية هائلة، وعلى باكستان، القوة النووية الكبرى في العالم الإسلامي، وعلى تركيا صاحبة الحضور الدولي الواسع، وعلى مصر بما تمثله من ثقل تاريخي وسياسي ودبلوماسي..؟

 

هذه الأسئلة تقود إلى ما وراء النتيجة.. تقود إلى الطريقة التي أُدير بها الملف.. فالنجاحات الدبلوماسية الكبرى لا تصنعها المصادفات.. وراءها قراءة دقيقة، وحساب للمواقف، ومعرفة بالأشخاص، وفهم للمصالح، وقدرة على اختيار اللحظة المناسبة والكلمة المناسبة.. ومن الواضح أن ملف ترشيح موريتانيا أُدير بدرجة عالية من الاحتراف.

 

كان الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في قلب هندسة هذا المسار، واضعاً اتجاهه العام، ومتابعاً لتحركاته، ومحيطاً بالملف بالقدر الضروري من السرية.

 

فالملفات التي تتصل بالتنافس الدولي تحتاج إلى قدر من الصمت، والضجيج المبكر قد يمنح الآخرين فرصة لإعادة ترتيب حساباتهم، بينما يمنح العمل الهادئ فريقه فرصة التحرك في مساحات أوسع، وقد نجحت موريتانيا في الاحتفاظ بالكثير من تفاصيل هذا المسار بعيداً عن الأضواء، إلى أن بدأت النتيجة في الظهور.

 

وكان اختيار فريق الإشراف جزءاً أساسياً من هندسة النجاح، فمثل هذه الملفات تحتاج إلى رجال تتوفر فيهم الخبرة، والقدرة على الإقناع، وحسن قراءة المواقف، والقدرة على بناء الثقة.

 

في مقدمة المشهد كان الرئيس، ومن خلفه وزير الخارجية، وبينهما وحولهما فريق من الدبلوماسيين والمسؤولين الذين عملوا في صمت، بعض هؤلاء ظهر في الصورة، وبعضهم بقي خلف الستار.

 

غير أن السياسة الخارجية تعرف جيداً قيمة من يعملون بعيداً عن الكاميرات، إنهم فرسان الخفاء، الذين يحملون الرسائل إلى وجهاتها، ويفتحون الأبواب المغلقة، ويشرحون المواقف، ويزيلون التحفظات، ويبنون جسور الثقة بين العواصم؛ وقد كان الوصول إلى الإجماع ثمرة هذا الجهد الجماعي.

 

لقد استطاعت موريتانيا أن تتحدث مع الجميع، وأن تحافظ على علاقاتها مع أطراف متنافسة، وأن تقدم نفسها شريكاً مقبولاً في فضاء يمتلئ بالاستقطاب، وهذه إحدى أهم نقاط القوة التي راكمتها الدبلوماسية الموريتانية خلال السنوات الأخيرة.

النفوذ، استطاعت دولة هادئة أن تفرض حضورها بالعمل المنظم.

 

وفي وقت كان كثيرون ينظرون إلى حجم الإمكانات، كانت موريتانيا تبني رصيداً آخر، رصيداً من العلاقات والثقة والتوازن والهدوء، ومن هذا الرصيد خرج الفوز، ولهذا فإن ما حدث في منظمة التعاون الإسلامي أكبر من مجرد انتخاب.

 

إنه اختبار نجحت فيه الدبلوماسية الموريتانية، وهو شهادة على قدرة القيادة السياسية على إدارة الملفات المعقدة، وهو أيضاً انتصار لفريق عمل عرف كيف يتحرك في الوقت المناسب، وكيف يتحدث إلى المختلفين، وكيف يجمع المتباعدين.

 

لقد كان الفوز بالمنصب انتصاراً، أما الإجماع عليه، فهنا تكمن القصة كلها، وهنا يتجسد الانتصار الأكبر.