قانون «كرامة» وجريمة الاغتصاب/ صداف ولد آدَّ

يربط البعض – بشكل لا يخلو من الانتهازية السياسية والفكريّة – بين ما يقع من جرائم مروعة ضد النساء والأطفال، وبين ضرورة تمرير مسودة قانون “كرامة” (أو ما يعرف بقانون النوع)؛ وهو المشروع الذي فشلت محاولات فرضه بصياغاته المخالفة لدين البلاد وثقافتها وهويتها، مما استدعى التدخل الشخصي من طرف رئيس الجمهورية لإعلان رفض أي نص يخالف الشريعة الإسلامية، انطلاقاً من واجبه الدستوري
والواقع أنه رغم شناعة تلك الجرائم وبشاعتها، فليس ثمة تلازم منطقي أو قانوني بين التصدّي لها وبين إقرار ذلك القانون الدخيل، وقبل بيان انتفاء هذه الصلة، لا بد من التذكير بأمرين جوهريين يغفل عنهما البعض أو يتجاهلهما:
الأول: أن الشريعة الإسلامية جاءت لحماية الإنسان وصيانة كرامته،وخاصة المرأة (أمّاً، وزوجةً، وبنتاً، وأختاً)
فقد قرّر القرآن مبدأ الكرامة الإنسانية وحرمة الدماء والأعراض، وتواترت بذلك النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وسيّرت الأمة الجيوش لحماية امرأة واحدة، قبل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وقبل اتفاقية “سيداو” بقرون ممتدة
الثاني: أن رافضي “قانون النوع” في تجلياته الغربية – ومنهم جمع غفير من النساء – ليسوا ضد سن قوانين تمكّن المرأة وتصون كرامتها، بل هم أحرص الناس على أن تنال كل ذلك بشرف ودون منِِّ ولا أذى ، ومن هنا نبع رفضهم لتلك الأنماط الساعية لعزلها عن محيطها الاجتماعي، وزرع الصراع بينها وبين أسرتها ومجتمعها لتسلم في النهاية لقمة سائغة للضياع وذئاب الجشع والخنا
أين يكمن الخلل إذن؟
بالعودة إلى الجرائم البشعة المرتكبة ضد القاصرين—كجريمة اغتصاب
الطفلة “توت” التي هزت المجتمع الموريتاني كله ببشاعتها وألمها- نجد أن المشكلة ليست في غياب المقتضيات القانونية الرادعة، وإنما في عجز التطبيق وإفلات الجناة من العقاب، وهو ما يولد انطباعاً بالأمان يشجع على العود والتكرار
فالنصوص القانونية الموريتانية في هذا الصدد واضحة وشديدة الصرامة؛ حيث تنص المادة 24 من نصوص الحماية الجنائية للطفل على ما يلي:
«يعاقب على الاغتصاب الممارس على الأطفال بالعقوبة المنصوص عليها في المادتين 309 و310 من القانون الجنائي، وفي حالة عدم توفر الشروط المقررة للحد تكون العقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة من (10) سنوات إلى (20) سنة».
وجاء في المادة 309 من القانون الجنائي:
” يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يحاول ارتكاب جريمة الاغتصاب. وإذا تمت الجناية فإن الجاني يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة زيادة على الجلد إذا كان بكراً، كما يعاقب بالرجم وحده إذا كان محصناً.»
وفي المادة 310 منه :
“إذا كان الجناة من أصول من وقع عليه الاعتداء، أو كانوا من فئة من لهم سلطة عليه، أو من معلميه، أو من يخدمونه بأجر، أو كان خادماً بأجر لدى الضحية، أو كان من الموظفين أو رجال الدين، أو إذا أُعين الجاني في اعتداءاته بشخص أو عدة أشخاص، فإن العقوبة تكون:
– الإعدام بالرجم بالنسبة للمحصنين؛
– وبالأشغال الشاقة المؤقتة زيادة على الجلد بالنسبة للبكر.»
وتحدد المادة 18 من القانون الجنائي مدة الأعمال الشاقة المؤقتة بقولها: “تتراوح مدة الحكم بالأشغال الشاقة المؤقتة بين خمس سنوات على الأقل وعشرين سنة على الأكثر”.
لكن المادة 24 (الجديدة) من القانون رقم 023-2021 رفعت الحد الأدنى لعقوبة الأشغال الشاقة في اغتصاب الأطفال من 5 سنوات (المنصوص عليها بالمادة 18) إلى 10 سنوات على الأقل وتصل إلى 20 سنة.
إن العلاج الحقيقي لهذه الظاهرة ومثيلاتها لا يتطلب تشريعات أيديولوجية مستوردة، بل يستدعي آليات إجرائية صارمة تضمن الردع وتمنع الإفلات من العقاب، ولعل أبرزها
– منع أي إمكانية للصلح العائلي أو التنازل عن الحق العام في الجرائم الجنائية الموجهة ضد القاصرين والأعراض، واعتبار الحق العام صلبا لا يسقطه ولي الأمر
– إيجاد غرف قضائية متخصصة و مسارات مستعجلة للبت في قضايا الاغتصاب والاعتداء دون إبطاء أو تسويف يفقد العقوبة أثرها الزاجر
– تجريم وتغليظ العقوبة على كل من يسعى للوساطة أو الضغط الاجتماعي لحماية الجناة أو السعي للإفلات من العقاب
– إشهار تنفيذ الأحكام الجنائية ليكون الزجر عاماً ومباشراً لمن تسوّل له نفسه ارتكاب هذه الجرائم.
والخلاصة : أنه لا يوجد أي فراغ تشريعي يبرر التباكي على عدم إقرار قانون “النوع”، فالعدالة الجنائية الموريتانية تمتلك ترسانة عقابية حدية و تعزيرية تضمن الردع الزاجر، كما أنه لا يوجد من يعارض سن قوانين تعزز حماية المرأة وتصون كرامتها وتحفظ حقوقها
وإنما الرفض لمحاولات الانقلاب على هوية المجتمع والأسرة، تحت ستار استغلال عواطف الناس
صداف ولد آدَّ