تصحيح التصحيح: قراءة فقهية نقدية في أسئلة مسابقة القضاة الموريتانية 2026م/محمد عالي أحمد الفاروق

أثارت مسابقة القضاة الموريتانية لسنة: 2026 جملةً من الملاحظات المتعلقة بأسئلتها، وأجوبتها المعتمدة، وآلية تصحيحها، ولا سيما في المسائل الفقهية التي تستند في جانب كبير منها إلى المذهب المالكي، الذي نصّ القانون الموريتاني على الرجوع إلى مشهوره فيما لم يرد فيه نص خاص في المدونات القانونية

وهذه المقالة لا تروم التشكيك في جهود القائمين على هذه المسابقة، ولا التقليل من أهمية العمل المبذول فيها، وإنما تقصد إلى تسجيل جملة من الملاحظات العلمية على بعض الأسئلة، ومفاتيح تصحيحها، مما يظهر فيه ـ بحسب ما يتضح من نصوص أئمة المذهب وشروحه ـ اضطراب في التكييف الفقهي، أو خلط بين الأقوال، والمصطلحات، أو اعتماد جواب لا يوافق مشهور المذهب المالكي، بل ويخرج عن المذهب المالكي رأسا.

وسأقتصر هنا على نماذج محددة من هذه الأخطاء القاتلة، يمكن مناقشتها بالنصوص الفقهية المعتبرة، وكلها في مادة فقه المعاملات- بحكم التخصّص، حتى لا يقال إني ممن يصطاد في المياه العكره – تاركًا للقارئ، والمتخصص تقدير مدى وجاهة هذه الملاحظات، وأثرها في سلامة السؤال، ودقة التصحيح، وذلك على النحو التالي:

 

*الخطأ الأول ورد في السؤال رقم 5 فى شأن الصداق*

 

الخيار e أقل الصداق الشرعي هو ربع دينار شرعي. وقد خطّأنا فيها الأستاذ المصحح شات جي بي تي

وهذه فقهية صحيحة شرقت، وغربت، وأعرقت، وأنجدت، ويعلمها غير الممارس للفقه، فأحرى الممارس له، قال خليل فى باب الصداق:

“وفسد إن نقص عن ربع دينار، أو ثلاثة دراهم خالصة أو مقوم بهما وأتمه إن دخل”.

 

ثم إنه أيضا اعتبر أن الصداق يصح بالمنافع غير المالية، كتعليم الزوجة شيئا من القرآن، وهذا وإن كان رأيا للبعض الفقهاء داخل المذهب المالكي، وخارجه، لكنه ليس هو الرأي المشهور في المذهب المالكي، ولا المعتمد، ولا الذي جرى به العمل. ولم يرد الحديث عنه في مدونة الأحوال الشخصية الموريتانية التي نصت في الفقرة 2 من المادة رقم 311 على “*أن كل ما لم ينص فيه على هذه المدونة يُرجع فيه إلى مشهور مذهب الإمام مالك*”

 

ولكن Qcm اعتبر جهلا منه بالشرع، وبالقانون أن كل ذلك خطأ وخصم منى درجة بسبب ذلك.

 

*الخطأ الثاني ورد في السؤال رقم 18 حول إقراض مبلغ 1000 بشرط ردها 1100*

الخيار a حيث اعتبر OCM أن هذا ليس من ربا الفضل، وهو لعمري من ربا الفضل لكنه من ربا الفضل في الديون وليس من ربا الفضل في البيع، والسؤال عن ربا الفضل بشكل عام، سواء كان في البيوع، أم في الديون، حيث طُرح السؤال بهذه الصيغة، وبدون أي تحريف

*أي من المعاملات الآتية يعد من ربا الفضل؟*

والأصل في ألفاظ العموم حملها على عموماتها، حتى يدل الدليل على التخصيص.

ولعل QCM لا يعرف أن ربا الفضل يكون في الديون كما يكون في البيوع، ولكنه خطّأني في ذلك وخصم مني درجة كاملة،

وإن تعجب فالأعجب من ذلك أنه وفي نفس السؤال وفي الخيار c

اعتبر الفقيه QCM

أن “بيع 10 جرامات من الذهب مقابل 12 جراماً من الذهب تسلم بعد شهر” ليست من باب ربا الفضل، مع أنها تجمع بين ربا الفضل، وربا النساء، والأعجب من ذلك أن الشيخ الفقيه QCM يصحح لي، فيقول لي حول هذه المبادلة ما نصه: “…غيرُ صحيح. هذه المعاملة تجمع بين ربا الفضل (الزيادة) وربا النسيئة (التأخير)، وهي صورة من صور ربا النسيئة” !!!

ولعل الشيخ QCM لم يسمع باجتماع ربا الفضل، والنساء في صور واحدة، فيظنهما من قبيل “مانعة جمع”

 

*الخطأ الثالث ورد فى السؤال رقم 25 فيمن خالعته امرأته بحرام، حيث لم يمنحني درجة السؤال على اعتبار أن الخيار رقم e الذي اعتبر فيه الشيخ الفقيه QCM أنه إذا كان العوض المتفق عليه في الخلع بين المرأة وزوجها فاسداً، فإن الخلع يقع، ويلزم الزوجة دفع عوض صحيح، وهو المسمى، أو صداق المثل على خلاف، عوضا عن الحرام الذي خالعت به زوجها، وعلى ذلك الأساس خصم مني الشيخ الفقيه QCM درجة، فضاعت النقطة!!!

ومعلوم لدى الفقهاء – غير الشيخ QCM – أن من خالعته امرأته بحرام تبين منه، ولا تعطيه شيئا، وقد نص على هذا سيدي خليل بن إسحاق في المختصر في باب الخلع، حيث قال:

“والحرام كخمر ومغصوب، وإن بعضا ولا شيء له”.

 

*الخطأ الرابع: ورد فى السؤال رقم 27 فيمن باع سلعة، واشترط على المشترى انه متى رد له الثمن، رد له البضاعة: (بيع الثنيا)*

الخيار E من خيارات السؤال ذكر أن هذه الصورة تكيف على أنها رهن.

واعتبر الشيخ الفقيه QCM هذا الخيار صحيحا وخصم منى دجة على أساس ذلك

ومعلوم أن هذا تكييف الاحناف ويسمونه بيع الوفاء

أما المالكية فيفسخون هذا البيع (بيع الثنيا) إذا وقع الشرط فى أصل العقد، كما هو موضع السؤال

 

قال ابن عاصم فى تحفة الحكام:

والبيع بالثنيا لفسخ داع ***

والخرج بالضمان للمبتاع

ولا كراء فيه هبه لأجل ***

أم لا وذا الذى جرى به العمل

والشرح للثنيا روع ملك من ***

باع إليه عند إحضار الثمن

وجاز إن وقع بعد العقد ***

طوعا بحد وبغير حد

 

ومعنى «لفسخ داع»: أن بيع الثنيا إذا شُرطت فيه الثنيا في أصل عقد البيع، فإنه بيع فاسد يُدعى إلى فسخه، وهذا هو الذي تؤكده شروح التحفة العاصمية، ومنها شرح الإمام التسولي، كما تنقل المصادر النص نفسه، وليس في الكتب أنها تعامل، وتكيف على أنها رهن، وهي مسألة معروفة عند المالكية.

أما المذاهب الفقهية الأخرى فلها تكييفات أخرى، وعليه يجب التصحيح

وبالنسبة لبيع الثنيا نفسه، نقل الرجراجي بالفعل خلافًا في بعض أحكامه بعد وقوعه: هل يعامل من بعض الجهات معاملة البيع، أم الرهن؟ وتظهر ثمرة ذلك خصوصًا في الغلة، والضمان؛ لكن هذا لا يجعل العبارة العامة في الخيار a: «تُعامل وتُكيَّف على أنها عقد رهن» جوابًا صحيحًا بإطلاق، ولا سيما أن الراجح المنقول في الغلة يتجه إلى معاملته كبيع فاسد لا كرهن.

 

*الخطأ الخامس في السؤال رقم 34 الذي صيغ بالعبارة التالية:*

 

*وفقاً للمذهب المالكي، ما هي الشروط التي يجب توفرها في المعقود عليه (المبيع) حتى يصح عقد البيع؟*

 

في الخيار B من شروط المعقود عليه “أن يكون مملوكاً للبائع”

تعقبني الشيخ QCM بأن هذا من شروط صحة البيع، ويبدو أنه لا يفرّق بين شروط الصحة، واللزوم، فالمالكية لا يعتبرون هذا من شروط صحة البيع، ولهذا يرون جواز بيع الفضوليّ، فهو صحيح عندهم، وإن كان موقوفا على رضى المالك، خلافا لما ذهب إليه الإمام الشافعي من بطلانه،

ولهذا لم يعدّ الشيخ خليل في المختصر هذا الشرط من شروط البيع، حيث قال: «وَشَرْطٌ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ طَهَارَةٌ، لَا كَزِبْلٍ، وَزَيْتٍ تنجس، وانتفاع، لا كمحرَّم أشرف، وعدم نهي، لا ككلب صيد، وجاز: هرّ، وسبعٌ للجلد، وحامل مُـقـرب».

وقال الشيخ محمد مولود في الكفاف:

وللفضوليّ إذا ما راعى *** الاَصلحَ للمالك أن يبتاعا.

 

*الخطأ السادس ورد في السؤال رقم 39 الذي وردت صياغته في الامتحان هكذا:*

 

*أي العناصر التالية، إذا اجتمعت، تشكل المعاملة المعروفة بـ “بيع العينة”، وهو بيع محرم عند كثير من الفقهاء لكونه حيلة على الربا؟*

فرغم سذاجة الاختيارات التي تم توليدها عبر الذكاء الصناعي للجواب على هذا السؤال، يبدو بشكل واضح، وجليّ من خلال تصحيحه الذي اعتمدته اللجنة الموقرة أنه لا يميز بين مصطلحي بيع العِينة، وبيوع الآجال عند السادة المالكية، حيث قالوا في الجواب الذي اعتمدوه أسفل السؤال، وبالحرف الواحد، ودون أي تحريف ما نصه:

“بيع العينة هو معاملة مركبة تُستخدم كذريعة للوصول إلى قرض ربوي. صورتها الأشهر أن يبيع شخص سلعة لآخر بثمن آجل أعلى (مثلاً 120)، ثم يشتريها البائع نفسه من ذلك المشتري بثمن حالٍّ أقل (مثلاً 100). المحصلة النهائية هي أن الطرف الثاني حصل على 100 نقداً وسيردها 120 لاحقاً، والسلعة كانت مجرد واسطة صورية. لذلك، اعتبرها الجمهور حيلة على الربا وحرموها”.

 

وهذه الصورة قطعا ليست من الصور المعروفة عند المالكية لبيوع العِينة، بل هي من صور بيوع الآجال، فلعل الأستاذ شات جي بي تي لا يفرق بين بيوع العينة، وبيوع الآجال عند المالكية، أو يخلط بين المذاهب الفقهية، كما هو دأبه، وديدنه الذي لا يتركه.

 

*الخطأ السابع ورد في السؤال رقم 42 عن الاقالة*

 

الخيار e

الاقالة حل للبيع

واعتبر QCM هذا الخيار صحيحا، وبنى على ذلك أن الإقالة لا تجوز بسعر أعلى من الثمن الذي وقع

عليه البيع، وخصم منى ثلاث درجات، وصرح في تصحيحه للسؤال بالنص التالي:

 

“الإجابات الصحيحة هي (أي: الإقالة) تعتبر فسخاً للعقد الأول، وليست بيعاً جديداً. يجب أن تتم الإقالة بنفس الثمن الأول، دون زيادة أو نقصان. ارتفاع القيمة السوقية للسلعة لا يؤثر على صحة الإقالة بالثمن الأول”.

قلتُ ولا قول لي، وهذا غير صحيح، وليس هو المشهور فى المذهب المالكي، بل هي عند المالكية بيع إلا فيما استُثني، وليست فسخا للبيع السابق، بل هي ابتداءُ بيع جديد، وهو ما درج عليه الشيخ خليل – وغيرُه – فى المختصر حيث قال: “والإقالة بيعٌ إلا فى الطعام، والشفعة، والمرابحة.

فكيف يترك القول المشهور، والذي قال به جمهور المابكية، بل وكثير من الفقهاء من غيرهم إلى غير المشهور، ويجعل الاستثناء من القاعدة هو القاعدة.

 

*الخطأ الثامن: ورد فى السؤال رقم 56 فيمن أسلم فى 100كيل من القمح وأراد المسلم له عند حلول الأجل أن يعطيه 90 أجود*

 

الخيار C يجوز الاستبدال، حيث ورد فيه ما نصه:

“يجب أن يتم الاتفاق على البدل وقت التسليم، لا أن يُشترط في العقد الأصلي”.

واعتبر QCM هذه الإجابة صحيحة، وخصم بسببها مني درجة ونصف،

وهذا غير صحيح، فهذا الاستبدال لا يجوز لما فيه من ربا الفضل، ولما فيه من بيع طعام المعاوضة قبل قبضه.

 

هذا مع ملاحظات أخرى كثيرة لا يمكن حصرها، ولا استيفاؤها في جوهر الأسئلة وأشكالها، ومضامينها، وصياغاتها المضطربة، ولغتها الهجينة، وغياب المصطلحات العلمية الرصينة، واللغة الجزيلة، والصياغة المحبوكة، وعدم رصد بعض الدرجات رغم الإقرار بصحة الجواب، وربما تكون لنا معها وقفات أخرى إن أتيح لنا الوقت بإذن الله تعالى.

 

د. محمد عالي أحمد الفاروق