بعثات التشاور آلية لربط القرار العمومي بالواقع الميداني : من الرؤية الرئاسية إلى تجسيد العدالة المحلية… بعثة النعمة نموذجاً/ عابدين باب أحمد حيبلا

 

لم تعد التنمية المحلية في موريتانيا مجرد مسألة تتعلق بتشييد المنشآت وتوسيع شبكات الخدمات، بل أصبحت في جوهرها اختباراً لقدرة السياسات العمومية على تحقيق العدالة بين المواطنين، وتقليص الفوارق بين المناطق، وإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجال الترابي على أسس الإنصاف والفعالية والاستجابة للاحتياجات الحقيقية للسكان .

ومن هذا المنظور، تكتسب هذه المرحلة الثانية من البرنامج الاستعجالي لتعميم النفاذ إلى الخدمات الضرورية للتنمية المحلية أهمية سياسية وتنموية تتجاوز حدود التدخلات القطاعية التقليدية، باعتبارها امتداداً للرؤية التييطرحها فخامة رئالجمهورية،السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، في مجال تعزيز العدالة الاجتماعية والميدانية، وتوجيه العمل الحكومي نحو تحسين الظروف المعيشية للمواطنين، وخاصة في المناطق التي تعاني نقصاً في الخدمات الأساسية.

إن الرهان الذي تطرحه هذه المرحلة لا يقتصر على زيادة عدد المشاريع، وإنما يتعلق بإرساء منهجية جديدة في تحديد الأولويات العمومية، تجعل من احتياجات المواطنين نقطة الانطلاق، ومن التنسيق الحكومي وسيلة للتنفيذ، ومن الأثر التنموي الملموس معياراً للحكم على النتائج.

أولاً: الرؤية الرئاسية للتنمية بوصفها التزاماً بالإنصاف وتكافؤ الفرص

تقوم الفلسفة التنموية التي يؤطرها البرنامج الاستعجالي على مبدأ أساسي مفاده أن حق المواطن في التعليم والصحة والماء والكهرباء وفك العزلة ينبغي ألا يتحدد بموقعه الجغرافي أو ببعد تجمعه السكاني عن المراكز الحضرية الكبرى.

فالدولة التي تسعى إلى تحقيق تنمية متوازنة مطالبة بألا تكتفي بتحسين المؤشرات الاقتصادية العامة، بل أن تعمل على تحويل النمو إلى خدمات وفرص محسوسة في حياة المواطنين، وأن تجعل المناطق الداخلية شريكاً فعلياً في مسار التنمية الوطنية.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة المرحلة الثانية من البرنامج باعتبارها سعياً إلى الانتقال من منطق الاستجابة المتفرقة للاحتياجات إلى مقاربة أكثر شمولاً، تقوم على ترتيب الأولويات، وربط الاستثمارات العمومية بخصوصيات المجال، وتوجيه الموارد إلى المجالات الأكثر تأثيراً في الحياة اليومية للسكان.

وتبرز هنا أهمية الرؤية التنموية لرئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، من حيث ربط الالتزامات السياسية بمسار مؤسسي للتخطيط والبرمجة والمتابعة، بما يسمح بتحويل التعهدات إلى تدخلات قابلة للقياس والتقييم.

غير أن القيمة الحقيقية لهذه المقاربة ستتحدد بمدى قدرتها على إحداث تحسن مستدام في النفاذ إلى الخدمات، وتقليص الفجوات التنموية القائمة بين الولايات والمقاطعات والبلديات.

ثانياً: الوزير الأول.. من التوجيه السياسي إلى التنسيق الحكومي والتنفيذ

إذا كانت رئاسة الجمهورية تحدد التوجهات الاستراتيجية الكبرى، فإن تحويل هذه التوجهات إلى برامج عملية يضع الحكومة أمام مسؤولية التنسيق بين القطاعات، وضبط الأولويات، وتعبئة الوسائل الضرورية للتنفيذ.

وفي هذا الإطار، يكتسي الدور الذي يضطلع به معالي الوزير الأول، السيد المختار ولد اجاي، أهمية خاصة، بوصفه الحلقة المؤسسية التي تتولى تنسيق العمل الحكومي ومتابعة انسجام التدخلات القطاعية مع الأهداف المحددة للسياسات العمومية.

وقد مثّل الاجتماع الذي ترأسه يوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، لإطلاق البعثات الوزارية إلى الولايات الداخلية، محطة تنظيمية مهمة في التحضير للمرحلة الثانية من البرنامج الاستعجالي.

ولم يكن جوهر التوجيهات المعلنة مقتصراً على إيفاد بعثات للاستماع إلى المواطنين، بل شمل أيضاً تقييم حصيلة المرحلة الأولى، والاستفادة من دروسها، وترتيب الاحتياجات وفق درجة الإلحاح والخصوصية التنموية لكل ولاية.

وتكشف هذه المنهجية عن أهمية الانتقال من التنسيق الإداري الشكلي إلى التنسيق المبني على النتائج، بحيث تصبح القطاعات الحكومية المختلفة جزءاً من استجابة تنموية متكاملة، بدلاً من تنفيذ تدخلات متفرقة قد تتداخل في بعض المناطق وتغيب عن مناطق أخرى.

وعليه، فإن أحد أبرز اختبارات المرحلة المقبلة يتمثل في قدرة الجهاز الحكومي على تحويل مخرجات المشاورات إلى برمجة واضحة، تحدد المسؤوليات والموارد والآجال وآليات المتابعة، بما يعزز فعالية الإنفاق العمومي ويحد من التفاوت بين التخطيط والتنفيذ.

ثالثاً: بعثة النعمة.. الحوض الشرقي نموذجاً للمقاربة التشاركية

في هذا السياق الوطني، تقدم ولاية الحوض الشرقي مثالاً ميدانياً مهماً على الكيفية التي يُراد بها الانتقال من التوجيهات المركزية إلى التشاور المحلي.

فقد شهدت مدينة النعمة، يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026، انطلاق المشاورات المتعلقة بالمرحلة الثانية من البرنامج الاستعجالي،بإشراف معالي وزير التحول الرقمي وعصرنة الإدارة، السيد أحمد سالم ولد بده، وبحضور والي الحوض الشرقي السيد إسلم ولد سيدي، وأعضاء البعثة الوزارية والسلطات الإدارية والمنتخبين وممثلي مقاطعات الولاية.

وقد سبقت هذه المشاورات ترتيبات محلية لتقييم المرحلة الأولى وتحديد أبرز النواقص والتحديات، بما أتاح وضع القضايا التنموية للولاية في صلب النقاش مع ممثليها المحليين.

وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تضع خصوصية الحوض الشرقي واحتياجات سكانه في قلب عملية إعداد المرحلة المقبلة بدلاً من الاكتفاء بمقاربة موحدة لا تراعي بالضرورة الفوارق بين المناطق.

كما أن اللقاءات الموسعة التي عقدتها البعثة مع السلطات الإدارية والمنتخبين المحليين، واستعراض المقترحات الخاصة بمختلف المقاطعات، تعكس أهمية توفير فضاء للحوار حول الأولويات التنموية، وتحديد ما يتطلب تدخلاً عاجلاً وما ينبغي إدراجه ضمن التخطيط المتوسط والبعيد المدى.

ومن الزاوية التحليلية، فإن تجربة النعمة تحمل دلالة مؤسسية تتجاوز مجرد انعقاد الاجتماعات؛ فهي تقدم نموذجاً لكيفية الجمع بين التوجيه المركزي والتشخيص المحلي، وبين مسؤولية الدولة في توفير الخدمات ودور الفاعلين المحليين في التعبير عن الحاجات وترتيبها.

ومع ذلك، فإن اعتبار هذه التجربة نموذجاً ناجحاً بصورة مكتملة يظل رهيناً بما ستسفر عنه من مشاريع معتمدة ونتائج قابلة للتحقق. فالمقاربة التشاركية تكتسب قيمتها النهائية عندما يجد المواطن أثر مشاركته في قرارات ملموسة على أرض الواقع.

رابعاً: الحوض الشرقي.. خصوصية المجال وأولوية التنمية المتوازنة

تطرح ولاية الحوض الشرقي، بحكم امتدادها الترابي وطبيعة توزيع تجمعاتها السكانية، تحديات تجعل من التخطيط المجالي المتوازن ضرورة عملية لا مجرد اختيار تنظيمي.

فالتنمية في مثل هذه المجالات لا يمكن اختزالها في إقامة منشأة هنا أو توفير خدمة هناك، وإنما تتطلب رؤية مترابطة تأخذ في الاعتبار العلاقة بين السكان والخدمات والأنشطة الاقتصادية والبنى التحتية.

إن توفير المياه الصالحة للشرب، وتحسين ظروف التمدرس، وتقريب المرافق الصحية، وتوسيع خدمات الكهرباء، وتعزيز الربط الطرقي، ليست ملفات منفصلة تماماً؛ بل تمثل عناصر متكاملة لبناء بيئة تساعد على الاستقرار الاجتماعي والإنتاج الاقتصادي وتحسين جودة الحياة.

ومن هنا، فإن الأولوية في الحوض الشرقي ينبغي أن تقوم على دقة تشخيص الحاجات، والتمييز بين التدخلات ذات الطابع الاستعجالي والمشاريع الهيكلية، وضمان توزيع متوازن للاستثمارات بين المقاطعات والبلديات، وفق معايير موضوعية وشفافة

كما أن فعالية البرامج العمومية تقتضي تجاوز معيار عدد المنشآت إلى معيار جودة الخدمة واستمراريتها؛ فالمدرسة تحتاج إلى الطاقم التربوي، والمرفق الصحي إلى الكفاءات والتجهيزات، ومنشأة المياه إلى الصيانة والتسيير، والطريق إلى شروط الاستدامة والسلامة.

وبذلك تصبح التنمية المحلية عملية متكاملة، لا تنتهي بتسليم المنشآت، وإنما تبدأ نتائجها الحقيقية عندما تدخل هذه المنشآت الخدمة وتستجيب بصورة منتظمة لاحتياجات المواطنين.

خامساً: من الإصغاء إلى القرار.. الرهان المؤسسي للمرحلة الثانية

إن اعتماد المشاورات المحلية في تحديد الأولويات يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز المشاركة في إعداد السياسات العمومية. غير أن الانتقال من الإصغاء إلى القرار يظل الحلقة الأكثر حساسية في أي برنامج تنموي واسع النطاق.

فليس كل مطلب محلي قابلاً للتنفيذ الفوري، وليس كل مشروع مقترح متساوياً في الأثر أو الكلفة أو درجة الإلحاح. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي يكمن في بناء آليات موضوعية لترتيب المطالب، تستند إلى حجم الحاجة، وعدد المستفيدين، ومستوى الحرمان من الخدمة، والجدوى الاقتصادية والاجتماعية، والموارد المتاحة.

وفي هذا الجانب، تبرز مسؤولية الحكومة، تحت تنسيق الوزير الأول، في تحقيق الانسجام بين نتائج المشاورات المحلية والبرمجة الوطنية، بما يحفظ التوازن بين العدالة في التوزيع والكفاءة في استخدام الموارد.

كما أن الشفافية في الإعلان عن المشاريع المعتمدة، وتوضيح أسباب الاختيار، وتحديد آجال الإنجاز، وتوفير معلومات دورية عن التقدم، ستشكل عناصر أساسية لتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات العمومية.

إن الإنصاف المحلي لا يتحقق فقط بتوجيه الاستثمارات نحو المناطق الأقل استفادة، بل يتطلب أيضاً وضوح المعايير التي تحكم توزيعها، وإتاحة الفرصة للمواطنين لمتابعة نتائج القرارات التي ساهموا في بلورة أولوياتها.

سادساً: نحو تعاقد تنموي جديد بين الدولة والمواطن

إن البعد الأعمق للمرحلة الثانية من البرنامج الاستعجالي يتمثل في إمكانية إرساء علاقة أكثر فاعلية بين الدولة والمواطن، تقوم على وضوح الالتزامات، والمشاركة في تحديد الأولويات، والقياس الموضوعي للنتائج.

فحين يشعر المواطن في المناطق الداخلية بأن صوته حاضر في صياغة البرامج، وأن احتياجاته تُدرس وفق معايير عادلة، وأن المشاريع المعلنة تخضع للمتابعة والمساءلة، تتعزز الثقة في العمل المؤسسي وتزداد فرص نجاح السياسات التنموية.

ومن هذا المنطلق، تكتسب بعثات التشاور، ومنها بعثة النعمة، أهميتها بوصفها آلية لربط القرار العمومي بالواقع الميداني واختبار قدرة المؤسسات على تحويل المطالب المحلية إلى خيارات تنموية قابلة للتنفيذ.

غير أن استدامة هذه المقاربة تستدعي ألا ينحصر الحوار مع المواطنين في مرحلة إعداد البرامج، بل أن يمتد إلى مراحل التقييم والمتابعة، وأن تُتاح للمنتخبين المحليين والمجتمع المدني أدوار واضحة في رصد مدى تحقق الأهداف.

وبذلك يمكن أن تنتقل المشاركة المحلية من مناسبة ظرفية إلى ممارسة مؤسسية منتظمة، تسهم في رفع جودة القرار العمومي وتحسين أثر الاستثمارات.

خاتمة: حين تصبح العدالة المحلية معياراً لنجاح التنمية

إن المرحلة الثانية من البرنامج الاستعجالي لتعميم النفاذ إلى الخدمات الضرورية للتنمية المحلية تفتح مجالاً جديداً لاختبار قدرة السياسات العمومية على الجمع بين الرؤية الوطنية والاحتياجات المحلية، وبين الالتزام السياسي والإنجاز الميداني.

فالرؤية التنموية التي يؤكدها رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، تضع تحسين الظروف المعيشية وتقليص الفوارق في صلب الأهداف المعلنة، فيما يضطلع الوزير الأول، السيد المختار ولد اجاي، بمسؤولية تنسيق الجهد الحكومي ومتابعة تحويل هذه الأهداف إلى برامج وإجراءات عملية.

أما بعثة النعمة في ولاية الحوض الشرقي، فتقدم مثالاً حياً على المرحلة الأولى من هذا المسار: مرحلة الإصغاء والتقييم والتشاور وترتيب الأولويات، في انتظار أن تترجم مخرجاتها إلى تدخلات تنموية يستفيد منها السكان بصورة ملموسة.

إن الرهان، في نهاية المطاف، ليس في عدد الاجتماعات التي تُعقد، ولا في حجم التطلعات التي تُعلن، بل في قدرة المؤسسات على تحويل الرؤية إلى تخطيط، والتخطيط إلى تنفيذ، والتنفيذ إلى أثر مستدام.

فالعدالة المحلية لا تتحقق بمجرد توزيع المشاريع على الخريطة، وإنما تتحقق حين تتقلص المسافة الفعلية بين المواطن والخدمة، وبين حاجته والاستجابة لها، وبين الوعود التنموية والنتائج التي يلمسها في حياته اليومية.

وهنا تحديداً يكمن المعنى الأعمق للتنمية المحلية: أن تصبح المواطنة، لا الجغرافيا، هي الأساس في تكافؤ الفرص والانتفاع بالخدمات العمومية