أدب: فاطمة الشيدي: تألمت و ضحك أوباما

شعرية الموت ودعائية الألم

فاطمة الشيدي

Aug 27, 2016

لم يكن عمران ـ الطفل السوري المنتشل من تحت الأنقاض والمصاب بجروح في وجهه قد تشفى، وأخرى في قلبه لا يعلم إلا الله وحده هل يمكن أن تشفى يوما ما أم لا ـ إلا حالة من حالات شعرنة الموت، ودعائية الألم والترويج الإنساني، التي تفرغنا لها أخيرا. فالطفل الذي عرضته الشاشات بتلذذ، وتاجر بصدمته البليغة، ودهشته الأكبر مما يحتمل قلبه الغض كل من استطاع ومن رغب أن يلصق بنفسه بعض النبل الزائف والإنسانية الجاهزة؛ كان عاجزا عن الفهم وعن الكلام وعن الصراخ في وجه هذا العالم الوقح، «اصمتوا أرجوكم، فقط اصمتوا. ودعوا لنا القليل من رهبة الحزن، وصدق الألم». وقبل عمران كان إيلان، الطفل الذي غرق في البحر، ووجدت جثته الصغيرة قرب الشاطئ، فتاجر الجميع بموته، وبحذائه الذي أشهره في وجه العالم انتقاصا وسخرية، فكُتبت له القصائد، ورُسمت له اللوحات.
وقبلهما وبعدهما الكثير من الأرواح التي تسلب وتزهق، وتنفى وتشرد في بقاع العالم الباردة كل يوم أو كل لحظة، بينما يقابل المجتمع العربي والإنساني الذي أصبح يعيش خلف شاشاته المتعالية والآمنة كل ذلك ببروده المعتاد، ودور المتفرج البعيد، فيحلل الموت، ويؤرشفه، ويؤرخه، وعبر وسيط اللغة والفن يحوّل الموت إلى قصائد هشة، والوجع إلى نصوص جاهزة، والألم إلى لوحات فنية أو أغنيات تشجي النفوس، وتطرب الآذان، فيحنّطه ليعيد إنتاجه مرة بعد مرة؛ ليكتب له الخلود. وهكذا يؤنسن الموت، وتعاد صناعته، وبرمجته بأشكال أخرى جديدة، أكثر عصرية وأكثر فنية وأكثر قابلية للتداول أو الخلود على حد سواء.
بل ربما أصبحنا نستفيد من الموت والألم، فنستنجد بهما لنكتب ونرسم ونعيش، فالموت أصبح قصيدة عميقة وجارحة، والأجساد الممزقة مادة فنية جاهزة للوحة عظيمة سيتناقلها الجمع بسرعة وبلا أدنى إحساس، فقد أصبحت شكلا فنيا، ومادة مستساغة للتداول. ولذا أصبح خبر موت آلاف البشر في قصف واحد بقذيفة غادرة ـ الخبر الذي كان بالأمس يروّعنا ويقضُّ مضاجعنا ـ خبرا اعتياديا، فليس أكثر من خبر عاجل مبثوث في قناة ما، أو شريط إخباري، نتشاركه على صفحات مواقع التواصل، لنخفف بعض أحزاننا عبر ذلك التشارك. وقد يشكّل مادة إلهام إبداعية لشاعر مغمور، أو فنان يعيد نسج ألوانه ليمنح نفسه قيمة ما على شاشات هذا العالم غير الآبه بشيء أو بأحد، والذي يتنافس الجميع لهاثا وركضا وراءه ليحققوا قيمة ما مهما كانت زائفة أو غير حقيقية للهروب من الموت قليلا. لأننا أبدا نظن أننا غير جاهزين له، ولسنا مستعدين بعد.
وهكذا أصبح الموت نصا جاهزا وقابلا للتحليل والقراءة بعمق وموضوعية وبأدوات فنية وتاريخية كما تقرأ قفلة لقصيدة، أو تتمة لقصة طويلة ومملة، أو نهاية مفتوحة وغير واضحة لفيلم سينمائي يحتمل التأويل. فتدرس الاحتمالات بكافة أوجهها، لمتلق خبير، أو مثقف ناقد في مكان ما، أو يقدم كفلسفة لحركة التاريخ «الذي يكرر نفسه» كما يقول ماركس، أو كعبرة آدمية للمؤمنين سيُكتب عنها لاحقا، وتتناقلها الكتب والتدوينات.
أما علي، فإنه يشاركك غربتك في بلاد من ذلك العالم الجديد الذي لا يشبهنا في شيء، ويسبقنا في كل شيء تقريبا، بلاد الحياة في مقابل حيوات الموت التي نحن منها، إذ كنت تجرجر خلفك ثقل هزائمك المكانية والتاريخية، وتسقط في فخ المقارنة والأسى الذي يدعوك له كل شيء تقريبا، كما تحاول أن تكتب نصك الخاص عن الموت والألم لتستمتع بإنسانيتك الكاذبة كالجميع تماما. ينتشلك هو بسحنة عربية طفلة وبلغة (تحتاج لترجمان) كما قال المتنبي الغريب الكبير، ليسألك: (ماذا تأكل؟)، فتعرفه خارج اللغة والمكان، وتبتسم له: (أنت عربي؟) وكنت تريد أن تسترسل من بلاد الوجع والقهر، (نعم، أنا سوري) . فتترقرق دمعة في عينيك وقلبك، سيلتقطها هو بحنان ويبتسم. لسيستمر الحوار بينكما ضمنيا أكثر من المنطوق، وكعراقيين سيحدثنا، لقربها (أي العراق) من لهجتنا، وقربها من جرحه. علي، الذي يعمل نادلا في مطعم تركي، يدّخر وجعه في قلبه المثقوب من كل زاوية، كي لا يهبه مجانا للغرباء ليأكلوا منه، أو كي يلمّعوا به شاشاتهم الرخيصة، أو ينسجوا به كتاباتهم الهشة، فيخبأه لحضن أم بعيدة، أو حبيبة قادمة، أو لقصيدة سيكتبها بدمه في زمن آخر.
خارج النص كنت أقول بحسرة: يا علي، ماذا تفعل هنا؟ لماذا تركت مقعدك الدراسي؟ وأصحاب المدرسة والحي والشارع؟ لماذا جئت إلى الغربة لتأكلك ببطء؟ ولتعقد المقارنات القاتلة ألف مرة كل يوم؟
كان علي حيا هذه المرة خارج الموت، ويمشي على قدمين خارج النصوص واللوحات والشاشات، خفيفا كطائر بحري، ما أن ينفض جناحيه من زبون، حتى يهرع لزبون آخر يدوّن الطلبات ثم يحضرها، فكانت وجبة الفلافل هي الأجمل من كل وجبات العالم المتقدم وطعامه لأنها مصنوعة بحب ووجع، وربما مغمّسة بعرق علي. وكانت ابتسامة علي وحركته أجمل من كل نصوص الدنيا الميتة السطحية والجارحة، ومن كل لوحات العالم القاتمة والمرحة، ومن كل شعاراته وشعرائه، ومن منظماته ونشطائه، ومن الكلام الفارغ الذي يغطي الشاشات بالكذب، ويطلق صفارات الإنذار والقلق فقط في مواجهة الموت.
علي، الشاب الصغير الذي قرر أن يعيش خارج كل نصوص الدنيا الباهتة، فلم يتحول إلى حكاية أو قصيدة تزيّن الشاشات، وتهب العزاء للنفوس العاجزة، ولم ينتظر معاش اللاجئ ليقتات به كالكثيرين، ولم يمدّ يده على أحد الأرصفة كما يفعل الكثيرون أيضا، الذين يتخذون وضعية السجود للمارة أو للقرش أو للألم والغربة.
اختار علي الوقوف خارج النص حيا، والعمل والسعي الحثيث ليقاوم أوجاعه بقوة، ويرمم أحلامه المنكسرة بدأب وتؤدة، ويهزأ بفكرة الاغتراب المقيت الذي يعرّش على الروح كنبات طفلي يمتصها رويدا حتى تذوب منها حرارة الدفء والحب، وتخلف استسلاما ووجعا لا يبرأ، اختار أن يعمل كي لا ينتظر الموت، ولا ينتظر الوطن، وكي لا يتحول إلى شماعة لنص كوني يكتبه الخاسرون والمنتصرون على حدٍ سواء، بمهل زائف وحسرة كاذبة.
يتفرّع علي يوميا في الكونية خارج الشاشات، ويتكاثر خارج النص، ويتناسل في الحياة، يصبح وجوها تسبقك إلى المترو، وتركب معك القطار، وتجلس في المقاهي، وتسير بخطى هادئة في أمكنة قريبة منك، في بلاد البرد الخارجي والدفء الداخلي، وفي بعض بلاد البرد الداخلي والاحتراق الخارجي التي منعتهم أغلبها من المثول بين يديها. ستجد المهاجر واللاجئ يحاول التشبه بالمكان، في حركته ولبسه، ويخونه انكسار عينيه، ووجع كالقيد يثقل خطوته، وذاكرة ملتبسة ممتلئة لم تنظف بعد من طحالب العالم المريض الذي جاء منه. لذا فقد يبصق بعضهم في أي مكان، أو يسحق عقب سيجارته بعادية، فينظر إليه أهل المكان وبعض الزوار باستغراب، وستجد بعضهم يمتهنون ما يدرُّ المال كتجارة الجسد من طعام وجنس، فهذا ما خرجوا به من ثقافة القمع والعيب والحرام. ستعرفهم أحيانا من أصواتهم العالية، وضحكاتهم الفاجرة، وأشياء تعرفها جيدا، فهي ثقافة راسخة تحتاج الكثير من الوقت لتستبدل بثقافة أخرى. ستجدهم يترصدون أولئك الذين يحومون في الشوارع بملابس الرجال القصيرة، والخيمات النسائية المحكمة، والصخب الطفلي أحيانا، ينصبون شراكهم لأبناء المكان الذي خرجوا منه، والذين يحومون حول الجثث والطعام ببطونهم المنتفخة، وغرائزهم المسعورة والمشرّعة، ولذا يصبح كل مكان هو لذة مستبقة، ستنقضي لاحقا في مكان رخيص ليس آمنا بالحب.
ستجدهم في أي مكان، وفي كل مكان، أحياء يأكلون ويشربون وينامون. يبيعون ويشترون، يعيشون بأوجاع المنافي وأخطاء البشر، يحاولون الحضور في الحياة خارج النص، وخارج الشاشات، خارج التحسّر الكاذب، والزيف المصنوع، والمتاجرة الكونية بأوجاعهم التي تكبر كل يوم.

كاتبة عُمانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *