عندما يكون الحوار من أجل الوطن فقط /أحمد ولد علال

الحوار السياسي هو آلية ديمقراطية تجمع مختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين للتشاور حول القضايا الوطنية، وتبادل وجهات النظر بشأنها، سعياً إلى تحقيق التوافق، وتعزيز الاستقرار، ودعم الإصلاح، وترسيخ مبادئ المشاركة في إدارة الشأن العام.
إن أبرز ما يميز الحوار السياسي الجاري في بلدنا هو أنه لم يكن وليدَ أزمة سياسية أو انسداد مؤسسي، كما هو الحال في كثير من التجارب المقارنة، بل جاء في ظل أوضاع تتسم باستقرار المؤسسات الدستورية، وانتظام عمل السلطات العامة، وغياب أزمة سياسية تستدعي تسوية عاجلة؛ وهذه الخصوصية تمنحه قيمة سياسية ودستورية متميزة، إذ تعكس إرادة في ترسيخ الحوار بوصفه نهجًا دائمًا في إدارة الشأن العام، لا مجرد وسيلة استثنائية لتجاوز الأزمات.
وتقدم موريتانيا نموذجًا جديرًا بالتأمل في هذا السياق؛ إذ تعيش البلاد مرحلة تتسم باستقرار مؤسساتها الدستورية، وانتظام الاستحقاقات الانتخابية، ووجود سلطات قائمة تمارس اختصاصاتها وفق مقتضيات الدستور؛ وهنا يكون الحوار
فرصة لتعزيز الثقة بين مختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، وترسيخ التوافق حول الأولويات الوطنية الكبرى.
إن الحوار في الظروف العادية يؤدي وظائف استراتيجية متعددة، من أبرزها توسيع قاعدة المشاركة في صناعة القرار، وإتاحة المجال أمام المعارضة والمجتمع المدني ورجال الفكر والنخب الوطنية للمساهمة في رسم السياسات العامة، بما يعزز شرعية القرارات ويزيد من فرص نجاحها عند التنفيذ؛ كما يشكل إطارًا مناسبًا لتقييم السياسات العمومية، ومراجعة الاختلالات، واقتراح الإصلاحات بصورة هادئة بعيدة عن منطق الصراع.
وفي هذه الحالة، يمكن أن يشكل الحوار الوطني منصة لمناقشة ملفات الإصلاح السياسي والإداري والاقتصادي، وتطوير الحكامة، وتعزيز اللامركزية، وتحسين المنظومة الانتخابية، وترسيخ استقلال القضاء، ومكافحة الفساد، وتعزيز الوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي. فهذه القضايا ليست رهينة بوجود أزمة، وإنما هي مشاريع إصلاح مستمرة تستوجب التشاور الدائم.
ولعل من أهم مزايا الحوار في أوقات الاستقرار أنه يقي الدولة من تراكم الاحتقان، ويحول دون تحول الخلافات الطبيعية إلى أزمات سياسية؛ فالدول التي تجعل الحوار ممارسة مؤسساتية منتظمة تكون أكثر قدرة على استباق المشاكل، وأكثر مرونة في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
كما يبعث الحوار رسالة إيجابية إلى المواطنين وإلى الشركاء الدوليين، مفادها أن الدولة تمتلك من النضج السياسي ما يجعلها تعتمد التوافق والتشاور في إدارة الشأن العام، وهو ما يعزز الثقة في المؤسسات، ويهيئ بيئة أكثر استقرارًا للاستثمار والتنمية.
ومن هذا المنطلق، فإن نجاح أي حوار في موريتانيا لا ينبغي أن يقاس فقط بما يصدر عنه من وثائق أو توصيات، بل أيضًا بقدرته على ترسيخ ثقافة الحوار باعتبارها أسلوبًا دائمًا للحكم الرشيد، وآلية لتقوية المؤسسات، وتجديد الثقة بين الدولة والمجتمع، وتعزيز المشاركة السياسية المسؤولة.
إن الحوار في مثل هذه الظروف العادية التي لا توجد فيها أزمة، هو دليل على نضج الدولة وثقة مؤسساتها بنفسها؛ فالدول القوية لا تنتظر ظهور الأزمات حتى تتحاور، وإنما تجعل الحوار جزءًا من بنيتها السياسية، وأداةً لتجديد التوافق الوطني، واستشراف المستقبل، وضمان استمرارية الاستقرار والتنمية. ومن هذا المنظور، فإن بلدنا يمتلك فرصة حقيقية لتحويل الحوار من استجابة ظرفية إلى تقليد وطني راسخ، يسهم في بناء دولة المؤسسات والقانون، ويؤسس لمرحلة جديدة من التنمية السياسية القائمة على المشاركة والتوافق؛ فمن خلاله تتلاقح الأفكار، وتُحلّ الخلافات، وتُصاغ الرؤى المشتركة التي تُسهم في تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية؛ وقد أثبت التاريخ أن المجتمعات التي جعلت من الحوار ثقافةً وسلوكًا استطاعت أن تبني حضارات مزدهرة، بينما قادت ثقافة الإقصاء إلى الصراعات والانقسامات والتراجع؛ لذلك أصبح الحوار اليوم ضرورة حضارية وأداةً لا غنى عنها لمواجهة التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية..
أخلص إلى القول بأن الحوار ليس مجرد وسيلة للتواصل، بل هو ركيزة أساسية لبناء المجتمعات الحضارية وصيانة استقرارها وتحقيق تقدمها؛ فكلما ترسخت ثقافة الحوار، اتسعت مساحة التفاهم، وانخفضت حدة النزاعات، وتعززت قيم العدالة والتسامح والمشاركة.
بالحوار نصنع مواطنًا واعيًا، ومجتمعًا متماسكًا، ودولةً قادرة على مواجهة التحديات وتحقيق التنمية المستدامة.
هنيئا لكل المشاركين في الحوار الوطني على التوصل لوثيقة توافقية ترسم خطة حوار وطني شامل لا يقصي أحدا ولا يستثني موضوعا…
تحياتي