المصلحة الوطنية: بين استمرارية المشاريع وضرورة التجديد/محمد ولد الطالب بوبكر

إن مسألة استمرارية القيادة السياسية لمأمورية ثالثة تمثل اليوم إحدى الإشكاليات المركزية في النقاش العام الموريتاني. وهي ليست مجرد مطالبة سياسية آنية، بل هي سؤال عميق حول طبيعة الدولة وآليات الحكم الرشيد وسبل إدارة التحولات في مرحلة إقليمية ودولية تتسم بعدم اليقين. ومن الطبيعي في أي فضاء عمومي ناضج أن تتعايش رؤيتان متباينتان حول هذا الملف. الرؤية الأولى ترى في مبدأ التداول على السلطة ركيزة أساسية للشرعية الديمقراطية، ومدخلا ضروريا لتجديد النخب وتدوير الأفكار ومنع أي مظاهر لتمركز السلطة. أما الرؤية الثانية فترى في الاستمرارية مقتضى مرحليا وضرورة وظيفية لاستكمال مسارات الإصلاح والمشاريع الهيكلية، ولتفادي كلفة القطيعة المؤسسية في وقت تتطلب فيه التحديات الأمنية والتنموية قدرا عاليا من الاستقرار والاستمرارية.

 

ولا بد قبل الخوض في تفاصيل النقاش من التأكيد على نقطة جوهرية. إن المطالبة بالاستمرارية أو المطالبة بالتداول هي في الأصل ممارسة مشروعة للمواطن، كفلها الدستور الموريتاني والمواثيق الوطنية والدولية ذات الصلة. فالتعبير عن الرأي والتجمع السلمي وتقديم المقترحات السياسية هي حقوق أصيلة لا يجوز مصادرتها أو تخوينها. إن احترام هذا الحق هو بذاته مؤشر على صحة الحياة الديمقراطية. فلا ديمقراطية بلا اختلاف، ولا تقدم بلا تعدد في الرؤى.

 

من المنظور الموضوعي، فإن معيار الحكم على أي خيار سياسي لا ينبغي أن يكون معيارا شكليا أو رقميا بحتا. بل يجب أن يكون معيارا وظيفيا مرتبطا بالمصلحة العامة وبقدرة الدولة على تحقيق أهدافها الاستراتيجية. فالمشاريع الكبرى ذات البعد الوطني لا تكتمل في دورة زمنية قصيرة. فالمسارات المتعلقة بالإصلاح التعليمي، وبرامج الحماية الاجتماعية، وتطوير البنى التحتية، وتعزيز السيادة الأمنية والغذائية، كلها مسارات تحتاج إلى نفس طويل وإلى تراكم مؤسسي. ومنطق الاستمرارية هنا ينطلق من فكرة أن القطع مع تجربة قائمة قبل اكتمال ثمارها قد يكلف الدولة سنوات من التراجع وإعادة البناء. كما أن السياق الإقليمي المحيط بموريتانيا، والمليء بالتحولات والأزمات، يفرض منطقا للحفاظ على الخبرة المتراكمة وعلى منسوب الاستقرار الداخلي.

 

وفي المقابل، فإن منطق التداول له أسانيده القوية من الناحية النظرية والتجريبية. فالتداول هو الضمانة الحقيقية ضد أي انغلاق سياسي أو احتكار للقرار. وهو الآلية التي تسمح بضخ دماء جديدة في شرايين الدولة، وتتيح فرصا لظهور مقاربات وأفكار مختلفة لمواجهة تحديات المستقبل. كما أن التداول يعزز ثقة المواطن في أن النظام السياسي مفتوح وقابل للتجديد، وأن السلطة أمانة يتم تداولها وفق القواعد لا ملكية خاصة. وهذا المنطق يستند إلى مبدأ دستوري وأخلاقي مفاده أن بقاء الدولة أقوى من بقاء أي حكم.

 

إذن نحن أمام معادلتين: معادلة الاستمرارية التي تركز على الكفاءة والإنجاز والاستقرار، ومعادلة التداول التي تركز على التجديد والشرعية الدورية ومنع الاستبداد. والسؤال المطروح ليس أيهما أصح بالمطلق، بل أيهما أنسب للمرحلة وأكثر قدرة على خدمة المصلحة الوطنية العليا.

 

وهنا يبرز العنصر الحاسم الذي يجب أن يحكم هذا النقاش كله. وهو عنصر الآلية والإطار. فالخلاف السياسي لا يحسم في الشارع ولا على المنصات، وإنما يحسم داخل المؤسسات ووفق القانون. إن الدستور هو العقد الذي يربط بين الحاكم والمحكوم، وهو المرجعية التي نعود إليها عند الاختلاف. وبالتالي فإن أي نقاش حول تعديل متعلق بعدد المأموريات يجب أن يتم عبر المسار الدستوري الواضح. وهذا المسار يبدأ بمبادرة سياسية مسؤولة، ويمر بنقاش برلماني ومجتمعي، وينتهي باستفتاء شعبي حر ونزيه تكون فيه الكلمة الفصل للشعب. فالشعب هو مصدر السلطات، وهو صاحب الحق الأصيل في تقرير شكل دولته ومستقبلها.

 

من هذا المنطلق، فإن إدارة هذا الملف تتطلب من الجميع درجة عالية من المسؤولية والهدوء. تتطلب من أنصار الاستمرارية أن يؤكدوا على أن مطالبتهم لا تعني بأي حال من الأحوال الدعوة إلى مخالفة الدستور، بل هي دعوة لتفعيل آلياته. وتتطلب من أنصار التداول أن يؤكدوا على أن معارضتهم لا تعني رفض الآخر أو التشكيك في وطنيته، بل هي ممارسة لحق دستوري مشروع. فالمصلحة الوطنية تقتضي أن نحول هذا الخلاف من سجال إلى حوار مؤسسي رصين.

 

في تقديري، إن قوة أي ديمقراطية لا تقاس بعدد المتفقين، بل بقدرتها على إدارة الاختلاف وتحويله إلى طاقة إيجابية. فالوطن يتسع لكل أبنائه. يتسع للموالي الذي يرى في الاستمرارية خدمة للمكتسبات وضمانا لاستكمال المسار، ويتسع للمعارض الذي يرى في التداول صيانة للديمقراطية وضمانة للمستقبل. وكلاهما في النهاية يعمل من موقع مختلف لكن بهدف واحد هو رفعة الوطن.

 

إن المأمورية الثالثة ليست قضية شخص بعينه، وإنما هي قضية مرحلة وقضية قواعد. وإذا أردنا أن نخرج من هذا النقاش أقوى، فعلينا أن نتمسك بثلاثة مبادئ. الأول هو احترام الدستور كمرجعية عليا. الثاني هو الاحتكام لصوت الشعب كحكم نهائي. والثالث هو رفض لغة الإقصاء والتشويه مهما كانت المبررات.

 

ختاما، إن اللحظة الراهنة تدعونا إلى تغليب لغة العقل على لغة العاطفة، ومنطق الدولة على منطق الأشخاص. فالتحديات التي تواجهنا أكبر من أن نضيعها في معارك جانبية. المطلوب هو نقاش مسؤول، وحوار وطني جامع، وقرار سيادي يتخذه الشعب بنفسه. وبهذا فقط نضمن أن نعبر هذه المرحلة ونحن أكثر تماسكا وأكثر قدرة على بناء وطن يسع الجميع.

 

محمد الطالب بوبكر