التنمية ليست قضية نظام أو مرحلة؟ / إدوم عبدي أجيّد

في عام 1989 أيام كنت طالبًا في المدرسة العليا للإحصاء والاقتصاد بأبيدجان (ENSEA)، عاصمة كوت ديفوار، ضمن مجموعة من الطلاب القادمين من مختلف الدول الإفريقية في إطار منحة مقدمة من منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) لتكوين الأطر والفنيين في مجال الإحصاء الزراعي، ألقى أحد الأساتذة محاضرة حول التنمية في إفريقيا.

 

وعندما وصل في حديثه إلى موريتانيا، قال عبارة ما زالت عالقة في ذهني إلى اليوم، مفادها أن وضع هذا البلد “يصعب تفسيره”؛ فهو يمتلك نهرًا يزيد طوله داخل حدوده على ستمائة كيلومتر، وشاطئًا يُعد من أغنى شواطئ العالم بالثروة السمكية، وثروة حيوانية كبيرة، وموارد معدنية معتبرة، وعدد سكانه آنذاك لم يكن يتجاوز مليوني نسمة تقريبًا، ومع ذلك

يعاني من الفقر..!

 

واليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، تضاعفت الثروات المعدنية باكتشاف الذهب ومعادن أخرى، كما اكتُشفت احتياطيات معتبرة من النفط والغاز، ولا يزال الساحل غنيًا بالأسماك، والنهر يروي مساحات زراعية واسعة، والثروة الحيوانية تتنامى، واستقر البلد نسبيًا، وتحسن مناخ الاستثمار، وتعزز المسار الديمقراطي. ومع ذلك، ما زلنا نتحدث عن الفقر والغبن والتفاوت، وما نزال نبحث عن السبب الحقيقي الذي يحول دون تحقيق التنمية المنشودة.

يذهب كثيرون مباشرة إلى تحميل “الفساد” مسؤولية كل شيء، حتى أصبح الحديث عنه حاضرًا في كل منبر، وكأن الفساد هو الهوية الوحيدة للبلد. وهذا في تقديري، ينطوي على خطر آخر؛ إذ أن ترسيخ هذه الصورة في الأذهان قد يدفع بعض المتعاملين مع البلد إلى اعتبار أن الفساد واقع معاش، فيتهيأوا للتعامل معه، ويزداد انتشاره بدل أن ينحسر.

 

وبالمقابل تصدر مؤسسات الرقابة والتفتيش تقارير تتضمن أحيانًا أرقامًا مقلقة، فيترسّخ لدى الناس شعور بأن الفساد أصبح جزءًا من الحياة اليومية، فتغدو بعض الممارسات غير السليمة مألوفة، وكأنها أمر طبيعي.

 

منذ سنوات، تُرفع شعارات محاربة الفساد في البرامج الحكومية والحملات الانتخابية، ويُقدَّم القضاء عليه بوصفه المدخل الرئيس لتحقيق التنمية وتحسين حياة المواطنين.

 

لكن يبقى السؤال: هل يكفي كشف الفساد وحده؟

لا خلاف على أن كشف الفساد ضرورة، لكنه إذا تحوّل إلى عمل روتيني لا يتبعه إصلاح حقيقي للمؤسسات، وتعزيز لآليات التنفيذ والرقابة والمساءلة، فلن يحقق الأثر المنشود..

 

فالنصوص المنظمة للصفقات العمومية في مجملها، جيّدة، ومكاتب الدراسات والمتابعة موجودة، وإجراءات ومحاضر الاستلام المؤقت والنهائي قائمة، ومع ذلك تبقى مخرجات كثير من المشاريع محل شك!، بل يثبت التفتيش أحيانًا وجود اختلالات جسيمة. وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل الخلل في النصوص؟ أم في التطبيق؟ أم في نصوص الرقابة و مطابقتها مع النصوص الأخري؟ أم في تجزيئ تحمّل المسؤولية؟ أم في ضعف الإعلام المتخصص القادر على متابعة الأداء وتقييمه بموضوعية؟

وكثيرًا ما تبدو بعض البرامج متقنة في صياغتها النظرية، لكنها عند التنفيذ تكشف عن ثغرات أو منافذ لم تكن ظاهرة إلا لمن وضعها أو أشرف على تصميمها.

 

كما أن التوسع في إنشاء البنوك والمؤسسات الاقتصادية يمثل، في ظاهره، مؤشرًا إيجابيًا، غير أن أداء بعض هذه المؤسسات يشوبه قصور في الحوكمة والشفافية، بما يقلل من مساهمتها الفعلية في دفع عجلة التنمية.

 

ورغم ذلك كله، فإن المؤشرات الاقتصادية الكلية تعرف تطورًا في عدد من الجوانب، لكنها لا تسلم بدورها من التشكيك، إذ يرى البعض أن الأرقام لا تعكس دائمًا الواقع المعيشي للمواطن.

وفي المقابل، لا يمكن إغفال عوامل داخلية أخرى لا تقل تأثيرًا، مثل ثقافة الاتكالية، وضعف الإنتاجية، وبعض العقليات الاجتماعية التي لا تشجع على المبادرة والعمل، فضلًا عن محدودية التكوين المهني والأكاديمي. فتلك العوامل تجعل من الصعب أن تنعكس الموارد المتاحة على مستوى معيشة السكان بالقدر المأمول لا سيما إذا خالطتها هجرة غير شرعية تقوّض فرص العمل للمواطنين.

 

وعند هذه النقطة تجد السلطات العمومية نفسها أمام خيارات صعبة: فإما أن تترك شرائح واسعة من المجتمع تواجه ظروفها الاقتصادية، وإما أن توجه جزءًا كبيرًا من موارد الدولة إلى الدعم الاجتماعي لضمان الحد الأدنى من العيش الكريم. وهنا تتداخل الاعتبارات الاقتصادية مع توجهات الشركاء الماليين والتنمويين، الذين يكون لهم في كثير من الأحيان تأثير معتبر في رسم السياسات الاقتصادية.بفعل التراكمات و ارتفاع المديونية احيانا

ولعلّ الخلاصة التي أصل إليها هي، أن الحل لا يكمن في الإكتفاء بالشعارات، ولا في تعميم الاتهامات، وإنما في فتح حوار وطني هادئ ومسؤول حول كل قطاع على حدة خصوصا الإنتاجية منها و الخدميّة، ويكون حوار جامع تشارك فيه الدولة، والخبراء، والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، للخروج بتشخيص مواطن القوة والخلل، واقتراح حلول عملية قابلة للتنفيذ، بعيدًا عن الأشخاص والحكام، لأن التنمية قضية وطن وليست قضية نظام أو مرحلة.

 

فلعلّ الحل أقرب إلينا مما نتصوّر، إذا تصالحنا مع أنفسنا، واعترفنا بأخطائنا، وواجهنا العقليات والممارسات التي تعيق التقدم، وامتلكنا الإرادة الصادقة لمعالجتها.

 

إدوم عبدي أجيّدالتنمية ليست قضية نظام أو مرحلة

 

في عام 1989 أيام كنت طالبًا في المدرسة العليا للإحصاء والاقتصاد بأبيدجان (ENSEA)، عاصمة كوت ديفوار، ضمن مجموعة من الطلاب القادمين من مختلف الدول الإفريقية في إطار منحة مقدمة من منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) لتكوين الأطر والفنيين في مجال الإحصاء الزراعي، ألقى أحد الأساتذة محاضرة حول التنمية في إفريقيا.

 

وعندما وصل في حديثه إلى موريتانيا، قال عبارة ما زالت عالقة في ذهني إلى اليوم، مفادها أن وضع هذا البلد “يصعب تفسيره”؛ فهو يمتلك نهرًا يزيد طوله داخل حدوده على ستمائة كيلومتر، وشاطئًا يُعد من أغنى شواطئ العالم بالثروة السمكية، وثروة حيوانية كبيرة، وموارد معدنية معتبرة، وعدد سكانه آنذاك لم يكن يتجاوز مليوني نسمة تقريبًا، ومع ذلك

يعاني من الفقر..!

واليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، تضاعفت الثروات المعدنية باكتشاف الذهب ومعادن أخرى، كما اكتُشفت احتياطيات معتبرة من النفط والغاز، ولا يزال الساحل غنيًا بالأسماك، والنهر يروي مساحات زراعية واسعة، والثروة الحيوانية تتنامى، واستقر البلد نسبيًا، وتحسن مناخ الاستثمار، وتعزز المسار الديمقراطي. ومع ذلك، ما زلنا نتحدث عن الفقر والغبن والتفاوت، وما نزال نبحث عن السبب الحقيقي الذي يحول دون تحقيق التنمية المنشودة.

 

يذهب كثيرون مباشرة إلى تحميل “الفساد” مسؤولية كل شيء، حتى أصبح الحديث عنه حاضرًا في كل منبر، وكأن الفساد هو الهوية الوحيدة للبلد. وهذا في تقديري، ينطوي على خطر آخر؛ إذ أن ترسيخ هذه الصورة في الأذهان قد يدفع بعض المتعاملين مع البلد إلى اعتبار أن الفساد واقع معاش، فيتهيأوا للتعامل معه، ويزداد انتشاره بدل أن ينحسر.

 

وبالمقابل تصدر مؤسسات الرقابة والتفتيش تقارير تتضمن أحيانًا أرقامًا مقلقة، فيترسّخ لدى الناس شعور بأن الفساد أصبح جزءًا من الحياة اليومية، فتغدو بعض الممارسات غير السليمة مألوفة، وكأنها أمر طبيعي.

 

منذ سنوات، تُرفع شعارات محاربة الفساد في البرامج الحكومية والحملات الانتخابية، ويُقدَّم القضاء عليه بوصفه المدخل الرئيس لتحقيق التنمية وتحسين حياة المواطنين.

 

لكن يبقى السؤال: هل يكفي كشف الفساد وحده؟

لا خلاف على أن كشف الفساد ضرورة، لكنه إذا تحوّل إلى عمل روتيني لا يتبعه إصلاح حقيقي للمؤسسات، وتعزيز لآليات التنفيذ والرقابة والمساءلة، فلن يحقق الأثر المنشود..

 

فالنصوص المنظمة للصفقات العمومية في مجملها، جيّدة، ومكاتب الدراسات والمتابعة موجودة، وإجراءات ومحاضر الاستلام المؤقت والنهائي قائمة، ومع ذلك تبقى مخرجات كثير من المشاريع محل شك!، بل يثبت التفتيش أحيانًا وجود اختلالات جسيمة. وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل الخلل في النصوص؟ أم في التطبيق؟ أم في نصوص الرقابة و مطابقتها مع النصوص الأخري؟ أم في تجزيئ تحمّل المسؤولية؟ أم في ضعف الإعلام المتخصص القادر على متابعة الأداء وتقييمه بموضوعية؟

وكثيرًا ما تبدو بعض البرامج متقنة في صياغتها النظرية، لكنها عند التنفيذ تكشف عن ثغرات أو منافذ لم تكن ظاهرة إلا لمن وضعها أو أشرف على تصميمها.

 

كما أن التوسع في إنشاء البنوك والمؤسسات الاقتصادية يمثل، في ظاهره، مؤشرًا إيجابيًا، غير أن أداء بعض هذه المؤسسات يشوبه قصور في الحوكمة والشفافية، بما يقلل من مساهمتها الفعلية في دفع عجلة التنمية.

 

ورغم ذلك كله، فإن المؤشرات الاقتصادية الكلية تعرف تطورًا في عدد من الجوانب، لكنها لا تسلم بدورها من التشكيك، إذ يرى البعض أن الأرقام لا تعكس دائمًا الواقع المعيشي للمواطن.

وفي المقابل، لا يمكن إغفال عوامل داخلية أخرى لا تقل تأثيرًا، مثل ثقافة الاتكالية، وضعف الإنتاجية، وبعض العقليات الاجتماعية التي لا تشجع على المبادرة والعمل، فضلًا عن محدودية التكوين المهني والأكاديمي. فتلك العوامل تجعل من الصعب أن تنعكس الموارد المتاحة على مستوى معيشة السكان بالقدر المأمول لا سيما إذا خالطتها هجرة غير شرعية تقوّض فرص العمل للمواطنين.

 

وعند هذه النقطة تجد السلطات العمومية نفسها أمام خيارات صعبة: فإما أن تترك شرائح واسعة من المجتمع تواجه ظروفها الاقتصادية، وإما أن توجه جزءًا كبيرًا من موارد الدولة إلى الدعم الاجتماعي لضمان الحد الأدنى من العيش الكريم. وهنا تتداخل الاعتبارات الاقتصادية مع توجهات الشركاء الماليين والتنمويين، الذين يكون لهم في كثير من الأحيان تأثير معتبر في رسم السياسات الاقتصادية.بفعل التراكمات و ارتفاع المديونية احيانا

ولعلّ الخلاصة التي أصل إليها هي، أن الحل لا يكمن في الإكتفاء بالشعارات، ولا في تعميم الاتهامات، وإنما في فتح حوار وطني هادئ ومسؤول حول كل قطاع على حدة خصوصا الإنتاجية منها و الخدميّة، ويكون حوار جامع تشارك فيه الدولة، والخبراء، والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، للخروج بتشخيص مواطن القوة والخلل، واقتراح حلول عملية قابلة للتنفيذ، بعيدًا عن الأشخاص والحكام، لأن التنمية قضية وطن وليست قضية نظام أو مرحلة.

 

فلعلّ الحل أقرب إلينا مما نتصوّر، إذا تصالحنا مع أنفسنا، واعترفنا بأخطائنا، وواجهنا العقليات والممارسات التي تعيق التقدم، وامتلكنا الإرادة الصادقة لمعالجتها.

والله ولي التوفيق

إدوم عبدي أجيّد